نائبة ، ولا يلقى مصيبة ، الا وهو ذاكر لها مستظهر بعناية الله سبحانه عليها موطن نفسه
على الصبر عليها .
وهذه هي الحكمة في أن الله سبحانه يخص أولياءه بالبشرى بجمل ما سيكرمهم به
من مقام القرب ومنزلة الزلفى كما في قوله : " الا ان أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم
يحزنون - إلى أن قال - لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة " يونس : 64 .
قوله تعالى قال : " يا بنى لا تقصص رؤياك على اخوتك فيكيدوا لك كيدا ان
الشيطان للانسان عدو مبين " ذكر في المفردات : ان الكيد ضرب من الاحتيال ، وقد
يكون مذموما وممدوحا وان كان يستعمل في المذموم أكثر وكذلك الاستدراج والمكر .
انتهى وقد ذكروا ان الكيد يتعدى بنفسه وباللام .
والآية تدل على أن يعقوب لما سمع ما قصه عليه يوسف من الرؤيا أيقن بما يدل عليه
ان يوسف ( ع ) سيتولى الله امره ويرفع قدره ، يسنده على أريكة الملك وعرش العزة ،
ويخصه من بين آل يعقوب بمزيد الكرامة فاشفق على يوسف ( ع ) وخاف من اخوته
عليه وهم عصبة أقوياء ان لو سمعوا الرؤيا - وهى ظاهرة الانطباق على يعقوب ( ع )
وزوجه واحد عشر من ولده غير يوسف ، وظاهره الدلالة على أنهم جميعا سيخضعون
ويسجدون ليوسف - حملهم الكبر والانفة ان يحسدوه فيكيدوا له كيدا ليحولوا بينه
وبين ما تبشره به رؤياه . ولذلك خاطب يوسف ( ع ) خطاب الاشفاق كما يدل عليه قوله : " يا بنى
بلفظ التصغير ، ونهاه عن اقتصاص رؤياه على اخوته قبل ان يعبرها له وينبئه بما
تدل عليه رؤياه من الكرامة الإلهية المقضية في حقه ، ولم يقدم النهى على البشارة
الا لفرط حبه له وشدة اهتمامه به واعتنائه بشأنه ، وما كان يتفرس من اخوته انهم يحسدونه
وانهم امتلئوا منه بغضا وحنقا .
والدليل على بلوغ حسدهم وظهور حنقهم وبغضهم قوله : " لا تقصص رؤياك على
اخوتك فيكيدوا لك كيدا " فلم يقل انى أخاف ان يكيدوا ، أو لا آمنهم عليك بتفريع
الخوف من كيدهم أو عدم الامن من جهتهم بل فرع على اقتصاص الرؤيا نفس كيدهم
واكد تحقق الكيد منهم بالمصدر - المفعول المطلق - إذ قال : " فيكيدوا لك كيدا
تفسير الميزان — صفحة 78
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٧٨