إلى الغايات ، وارتفاع الروابط بين المسببات وأسبابها ، وأنه إذا قضي للانسان بالجنة
تحتم له ذلك سواء عمل أو لم يعمل وسواء عمل صالحا أو اقترف سيئا .
وتوهموا ثانيا أن تلك المقدمات والأسباب نظائر للغايات والمسببات واقعة تحت
القضاء مكتوبة محتومة فلا يبقى للاختيار معنى ولا للسعي والاكتساب مجال .
والذي وقع في الأحاديث من سؤالهم كقولهم : " يا رسول الله فعلا م نعمل ، على
شئ قد فرغ منه أو على شئ لم يفرغ منه ؟ " وقولهم : " يا رسول الله فيم يعمل العاملون ؟ "
وقولهم : " ألا نتكل ؟ " أي ألا نترك العمل اتكالا على ما كتبه الله كتابة لا تتغير ولا
تتبدل ؟ كل ذلك يشير إلى التوهم الأول ، وكان الذي كانوا يشاهدونه في أنفسهم من صفة
الاختيار والاستطاعة صرفهم عن الإشارة إلى ثاني التوهمين وإن كان ناشبا على قلوبهم
فإنهما متلازمان .
وقد أجاب صلى الله عليه وآله وسلم عن سؤالهم بقوله : " كل ميسر لما خلق له " وهو مأخوذ من
قوله تعالى في صفة خلق الانسان : " ثم السبيل يسره " عبس : 20 أي إن كلا من أهل
الجنة الذي خلقه الله لها ، ومن أهل النار الذي خلقه الله لها كما قال : " ولقد ذرأنا
لجهنم كثيرا من الجن والإنس " الأعراف : 179 . له غاية في خلقه وقد يسره الله السبيل
إلى تلك الغاية وسهل له السلوك منه إليها .
فبين الانسان الذي كتبت له الجنة وبين الجنة سبيل لا مناص من قطعه للوصول
إليها ، وبينه وبين النار التي كثبت له كذلك ، وسبيل الجنة هو الايمان والتقوى ، وسبيل
النار هو الشرك والمعصية ، فالانسان الذي كتب الله له الجنة إنما كتب له الجنة التي سبيلها
الايمان والتقوى فلابد من سلوكه ، ولم يكتب له الجنة سواء عمل أو لم يعمل وسواء عمل
صالحا أو سيئا ، وكذلك الذي كتب له النار إنما كتب له النار من طريق الشرك
والمعصية لا مطلقا .
ولذلك أعقب صلى الله عليه وسلم قوله : " كل ميسر لما خلق له " - علي عليه السلام -
بتلاوة قوله تعالى : " فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من
بخل واستغنى وكذب بالحسنى فنيسره للعسري " الليل : 10 .
فالمتوقع لاحدى الغايتين من غير طريقه كالطامع في الشبع من غير أكل أو الري من
تفسير الميزان — صفحة 38
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٣٨