النفس والشهيق رده انتهى . وقال الراغب في المفردات ، الزفير تردد النفس حتى ينتفخ
الضلوع منه . وقال : الشهيق طول الزفير وهو رده والزفير مده ، قال تعالى : " لهم فيها
زفير وشهيق " " سمعوا لها تغيظا وزفيرا " وقال تعالى : " سمعوا لها شهيقا " وأصله من
جبل شاهق أي متناهي الطول . انتهى .
والمعاني - كما ترى - متقاربة وكان في الكلام استعارة ، والمراد أنهم يردون
أنفاسهم إلى صدورهم ثم يخرجونها فيمدونها برفع الصوت بالبكاء والأنين من شده حر
النار وعظم الكربة والمصيبة كما يفعل الحمار ذلك عند نهيقه .
وكان الظاهر من سياق قوله : " فمنهم شقي وسعيد " أن يقال بعده : فأما الذي
شقي ففي النار له فيها زفير وشهيق " الخ " لكن السياق السابق عليه الذي افتتح به وصف
يوم القيامة أعني قوله : " ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود " مبني على الكثرة
والجماعة ، ومقتضاها المضي على هيئة الجمع : الذين شقوا والذين سعدوا ، وأنما
عبر بقوله ، شقي وسعيد لما قيل قبله : " لا تكلم نفس " فاختير المفرد المنكر ليفيد
النفي بذلك الاستغراق والعموم فلما حصل الغرض بقوله : " لا تكلم نفس إلا بإذنه
فمنهم شقي وسعيد " عاد السياق السابق المبني على الكثرة والجماعة فقيل : " فأما الذين
شقوا " بلفظ الجمع إلى آخر الآيات الثلاث .
قوله تعالى : " خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن
ربك فعال لما يريد " . بيان لمكث أهل النار فيها كما أن الآية التالية : " وأما الذين
سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير
مجذوذ " بيان لمكث أهل الجنة فيها وتأييد لاستقرارهم في مأواهم .
قال الراغب في المفردات : الخلود هو تبري الشئ من اعتراض الفساد وبقاؤه
على الحالة التي هو عليها ، وكل ما يتباطأ عنه التغيير والفساد يصفه العرب بالخلود كقولهم
للأثافي ( 1 ) : خوالد وذلك لطول مكثها لا لدوام بقائها يقال : خلد يخلد خلودا ، قال تعالى :
" لعلكم تخلدون " والخلد - بالفتح فالسكون - اسم للجزء الذي يبقى من الانسان على
هامش
( 1 ) الأثافي ، جمع الأثفية بضم الهمزة وهي الحجر الذي توضع عليه القدر وهما أثفيتان .