إزالة صفة الجبن واقتناء ملكة الشجاعة كان عليه أن يكرر الورود في الشدائد والمهاول
التي تزلزل القلوب وتقلقل الأحشاء ، وكلما ورد في مورد منها وشاهد أنه كان يمكنه
الورود فيه وأدرك لذة الاقدام وشناعة الفرار والتحذر انتقشت نفسه بذلك انتقاشا
بعد انتقاش حتى تثبت فيها ملكة الشجاعة ، وحصول هذه الملكة العلمية وإن لم يكن
في نفسه بالاختيار لكنه بالمقدمات الموصلة إليه كما عرفت اختياري كسبي .
إذا عرفت ما ذكرناه علمت أن الطريق إلى تهذيب الأخلاق واكتساب الفاضلة
منها أحد مسلكين :
المسلك الأول : تهذيبها بالغايات الصالحة الدنيوية ، والعلوم والآراء المحمودة عند
الناس كما يقال : إن العفة وقناعة الانسان بما عنده والكف عما عند الناس توجب العزة
والعظمة في أعين الناس والجاه عند العامة ، وإن الشره يوجب الخصاصة والفقر ، وإن
الطمع يوجب ذلة النفس المنيعة ، وإن العلم يوجب إقبال العامة والعزة والوجاهة والانس
عند الخاصة ، وإن العلم بصر يتقى به الانسان كل مكروه ، ويدرك كل محبوب
وإن الجهل عمى ، وإن العلم يحفظك وأنت تحفظ المال ، وإن الشجاعة ثبات يمنع النفس
عن التلون والحمد من الناس على أي تقدير سواء غلب الانسان أو غلب عليه بخلاف
الجبن والتهور ، وإن العدالة راحة النفس عن الهمم المؤذية ، وهي الحياة بعد الموت
ببقاء الاسم وحسن الذكر وجميل الثناء والمحبة في القلوب .
وهذا هو المسلك المعهود الذي رتب عليه علم الأخلاق ، والمأثور من بحث
الأقدمين من يونان وغيرهم فيه .
لم يستعمل القرآن هذا المسلك الذي بنائه على انتخاب الممدوح عند عامة الناس
عن المذموم عندهم ، والاخذ بما يستحسنه الاجتماع وترك ما يستقبحه ، نعم ربما جرى
عليه كلامه تعالى فيما يرجع بالحقيقة إلى ثواب أخروي أو عقاب أخروي كقوله تعالى :
( وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة ) البقرة - 150 ،
دعا سبحانه إلى العزم والثبات ، وعلله بقوله : لئلا يكون ، وكقوله تعالى ( ولا تنازعوا
فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا ) الأنفال - 46 ، دعا سبحانه إلى الصبر وعلله بأن
تركه وإيجاد النزاع يوجب الفشل وذهاب الريح وجرئة العدو ، وقوله تعالى ( ولمن
تفسير الميزان — صفحة 355
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٣٥٥