ومرّت بنا أسودات من الناس وأساود : أي جماعات ، وسوّدت الشيء : إذا غيّرت بياضه سوادا .
والتحقيق
أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة : هو التشخّص مع التفوّق في مقابل أفراد اخر ، وهذا المفهوم أعمّ من أن يكون في أمر ماديّ أو معنويّ ، فالمعنويّ : كما في قوله تعالى :
* ( يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوه ٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوه ٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ ) * - 3 / 106 .
* ( تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى ا للهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ ) * - 39 / 60 .
والمادّيّ كما في : . * ( يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ ) * - 2 / 187 .
* ( وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ ) * - 35 / 27 .
* ( وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثى ظَلَّ وَجْهُه ُ مُسْوَدًّا ) * - 16 / 58 .
وأمّا التشخّص مع التفوّق : فهو في عالم الروحانيّة والمعنويّة إنّما يتحقّق بتحقّق الأنانيّة والتظاهر بالنفسانيّة والشخصيّة والتكبّر والتبختر ، وهذا في مقابل الخشوع والتذلَّل وحقيقة العبوديّة وتحقّق الفناء الكامل .
وكلَّما ازداد الفناء يزداد نورا وبهجة وضياء واستفاضة واستنارة ، ويستعدّ في قبول الفيوضات الإلهيّة وانعكاس الأنوار الربّانيّة ، وهذا هو لبّ التبيّض في الوجه وتحقّق عنوان الوجهة الإلهيّة فيه وتجلَّي النور في الوجه .
وفي قبال هذا المعنى : بقاء الأنانيّة وظهور التشخّص والنفسانيّة : فيوجب حجابا واسودادا ، ويزيد ظلمة بعد ظلمة ، ويزداد محروميّة - وجوههم مسودّة .
وامّا في عالم المادّية الظاهريّة : فلون البياض في عالم الألوان له صفاء وتجرّد عن التلوّن والتشخّص والتظاهر ، وإذا تحوّل إلى لون آخر وتلوّن بلون متشخّص غليظ :
فهو السواد المطلق ، إلى أن يصل إلى حدّ الاسوداد التامّ .
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 256
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص٢٥٦