وعلى هذا يطلق الرائد لمن كان في صدد الطلب والتحقيق والاختيار ، ولما هو مظهر التردّد ووسيلة الدوران كعود الرحى . وأمّا الإرادة : فهو إفعال ويدلّ على قيام الفعل بالفاعل وصدوره منه ، فانّ النظر إلى جهة الصدور ، وهذا المعنى انّما يتحقّق في مقام فعليّة الطلب والاختيار . وأمّا المراودة فهو مفاعلة ويدلّ على استمرار الفعل ومداومته .
ولا يخفى ما بين موادّ الرود ، والورود ، والدور : من المناسبة في اللفظ والمعنى والاشتقاق الكبير .
وأمّا حقيقة الإرادة : فهي على نوعين ، إرادة في العبد ، وإرادة في اللَّه .
والأوّل - إرادة محدودة . والثاني إرادة لا حدّ فيها .
وتوضيح ذلك : أنّ الإرادة يقابلها الكراهة والجبر ، وحقيقة الكراهة وقوع شيء محدودا بحدود وقيود داخليّة أو خارجيّة ، وكلَّما كان الحدّ زائدا ازداد الجبر وقلّ وضعف الاختيار والإرادة .
ولمّا كان اللَّه المتعال منزّها عن أىّ نوع من الحدّ ، فانّ المحدوديّة دليل الضعف والاحتياج والنقص والفقر : فيكون ارادته في كمال الاختيار والانطلاق وتمام الحريّة والسعة والخلوص ، لا يشوبه قيد ولا حدّ ولا نظر خاصّ .
وبعد هذا المقام : مرتبة العقول المجرّدة والأرواح المتجلَّية ، فانّ فيها قيدين :
قيد من جهة كونها مخلوقة محتاجة ، ولا بدّ من إطاعة أمر الخالق والتسليم والخضوع والخشية والخشوع في مقابل عظمته وجلاله وجماله وقهاريّته . وحدّ من جهة ذواتها ومحدوديّة أنفسها من حيث هي ، فانّ المخلوق محدود .
فالعقول من هاتين الجهتين : انّما تقع في كراهة وجبر ، وبهذا المقدار من القيد
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 271
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص٢٧١