( وكذبوا واتبعوا أهواءهم ) أي كذبوا بالحق إذ جاءهم واتبعوا ما أمرتهم به آراؤهم وأهواؤهم من جهلهم وسخافة
عقلهم وقوله " وكل أمر مستقر " قال قتادة معناه أن الخير واقع بأهل الخير والشر واقع بأهل الشر
وقال ابن جريج مستقر بأهله وقال مجاهد " وكل أمر مستقر " أي يوم القيامة وقال السدي مستقر أي واقع .
وقوله تعالى ( ولقد جاءهم من الانباء ) أي من الاخبار عن قصص الأمم المكذبين بالرسل وما حل بهم من
العقاب والنكال والعذاب مما يتلى عليهم في هذا القرآن " ما فيه مزدجر " أي ما فيه واعظ لهم عن الشرك
والتمادي على التكذيب . وقوله تعالى ( حكمة بالغة ) أي في هدايته تعالى لمن هداه وإضلاله لمن أضله " فما
تغني النذر " يعني أي شئ تغني النذر عمن كتب الله عليه الشقاوة وختم على قلبه ؟ فمن الذي يهديه من بعد
الله ؟ وهذه الآية كقوله تعالى " قل فالله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين " وكذا قوله تعالى " وما تغني
الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون " .
فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شئ نكر ( 6 ) خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر ( 7 ) مهطعين
إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر ( 8 )
يقول تعالى فتول يا محمد عن هؤلاء الذين إذا رأوا آية يعرضوا ويقولوا هذا سحر مستمر أعرض عنهم وانتظرهم
" يوم يدع الداع إلى شئ نكر " أي إلى شئ منكر فظيع وهو موقف الحساب وما فيه من البلاء والزلازل
والأهوال " خشعا أبصارهم " أي ذليلة أبصارهم " يخرجون من الأجداث " وهي القبور " كأنهم جراد منتشر "
أي كأنهم في انتشارهم وسرعة سيرهم إلى موقف الحساب إجابة للداعي جراد منتشر في الآفاق ولهذا قال
( مهطعين ) أي مسرعين " إلى الداعي " لا يخالفون ولا يتأخرون " يقول الكافرون هذا يوم عسر " أي يوم
شديد الهول عبوس قمطرير " فذلك يوم عسير على الكافرين غير يسير " .
* كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر ( 9 ) فدعا ربه أني مغلوب فانتصر ( 10 ) ففتحنا أبواب
السماء بماء منهمر ( 11 ) وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر ( 12 ) وحملناه على ذات ألواح
ودسر ( 13 ) تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر ( 14 ) ولقد تركناها آية فهل من مدكر ( 15 ) فكيف كان عذابي
ونذر ( 16 ) ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ( 17 )
يقول تعالى " كذبت " قبل قومك يا محمد " قوم نوح فكذبوا عبدنا " أي صرحوا له بالتكذيب واتهموه بالجنون
" وقالوا مجنون وازدجر " قال مجاهد وازدجر أي استطير جنونا وقيل وازدجر أي انتهروه وزجروه وتواعدوه لئن
لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين قاله ابن زيد وهذا متوجه حسن " فدعا ربه أني مغلوب فانتصر " أي إني
ضعيف عن هؤلاء وعن مقاومتهم فانتصر أنت لدينك قال الله تعالى ( ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر ) قال
السدي وهو الكثير ( وفجرنا الأرض عيونا ) أي نبعت جميع أرجاء الأرض حتى التنانير التي هي محال النيران
نبعت عيونا " فالتقى الماء " أي من السماء والأرض " على أمر قد قدر " أي أمر مقدر .
قال ابن جريج عن ابن عباس ( ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر ) كثير لم تمطر السماء قبل ذلك اليوم ولا بعده
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) — صفحة 282
مساهمون: ابن كثير
ص٢٨٢