وقوله ( وأنه هو رب الشعرى ) قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد وغيرهم هو هذا النجم الوقاد الذي يقال له
مرزم الجوزاء كانت طائفة من العرب يعبدونه ( وأنه أهلك عادا الأولى ) وهم قوم هود ويقال لهم عاد بن إرم بن
سام بن نوح كما قال تعالى " ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد " فكانوا
من أشد الناس وأقواهم وأعتاهم على الله تعالى وعلى رسوله فأهلكهم الله " بريح صرصر عاتية سخرها عليهم
سبع ليال وثمانية أيام حسوما " أي متتابعة .
وقوله تعالى ( وثمود فما أبقى ) أي دمرهم فلم يبق منهم أحدا " وقوم نوح من قبل " أي من قبل هؤلاء " إنهم
كانوا هم أظلم وأطغى " أي أشد تمردا من الذين من بعدهم ( والمؤتفكة أهوى ) يعني مدائن قوم لوط قلبها
عليهم فجعل عاليها سافلها وأمطر عليهم حجارة من سجيل منضود ولهذا قال فغشاها ما غشى يعني من الحجارة
التي أرسلها عليهم " وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين " قال قتادة كان في مدائن لوط أربعة آلاف
ألف إنسان فانضرم عليهم الوادي شيئا من نار ونفط وقطران كفم الأتون . رواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن محمد بن
وهب بن عطية عن الوليد بن مسلم عن خليد عنه به وهو غريب جدا ( فبأي آلاء ربك تتمارى ) أي ففي أي نعم
الله عليك أيها الانسان تمتري ؟ قاله قتادة وقال ابن جريج ( فبأي آلاء ربك تتمارى ) يا محمد والأول أولى وهو
اختيار ابن جرير
هذا نذير من النذر الأولى ( 56 ) أزفت الآزفة ( 57 ) ليس لها من دون الله كاشفة ( 58 ) أفمن هذا الحديث
تعجبون ( 59 ) وتضحكون ولا تبكون ( 60 ) وأنتم سامدون ( 61 ) فاسجدوا لله واعبدوا ( 62 )
" هذا نذير " يعني محمدا صلى الله عليه وسلم " من النذر الأولى " أي من جنسهم كما أرسلوا كما قال تعالى " قل ما
كنت بدعا من الرسل " ( أزفت الآزفة ) أي اقتربت القريبة وهي القيامة ( ليس لها من دون الله كاشفة ) أي لا
يدفعها إذا من دون الله أحد ولا يطلع على علمها سواه والنذير الحذر لما يعاين من الشر الذي يخشى وقوعه فيمن
أنذرهم كما قال " إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد " وفي الحديث " أنا النذير العريان " أي الذي أعجله
شدة ما عاين من الشر عن أن يلبس عليه شيئا بل بادر إلى إنذار قومه قبل ذلك فجاءهم عريانا مسرعا وهو مناسب
لقوله " أزفت الآزفة " أي اقتربت القريبة يعني يوم القيامة كما قال في أول السورة التي بعدها " اقتربت
الساعة " وقال الإمام أحمد حدثنا أنس بن عياض حدثني أبو حاتم لا أعلم إلا عن سهل بن سعد قال : قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم " إياكم ومحقرات الذنوب فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا ببطن واد فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود
حتى أنضجوا خبزتهم وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكة " وقال أبو حازم : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
أبو نضرة لا أعلم إلا عن سهل بن سعد قال " مثلي ومثل الساعة كهاتين " وفرق بين أصبعيه الوسطى والتي تلي
الابهام ثم قال " مثلي ومثل الساعة كمثل فرسي رهان " ثم قال " مثلي ومثل الساعة كمثل رجل بعثه قومه طليعة
فلما خشي أن يسبق ألاح بثوبه أتيتم أتيتم " ثم يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنا ذلك " وله شواهد من وجوه أخر من
صحاح وحسان ثم قال تعالى منكرا على المشركين في استماعهم القرآن وإعراضهم عنه وتلهيهم " تعجبون " من
أن يكون صحيحا " وتضحكون " منه استهزاء وسخرية " ولا تبكون " أي كما يفعل الموقنون به كما أخبر عنهم
" ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا " وقوله تعالى ( وأنتم سامدون ) قال سفيان الثوري عن أبيه عن ابن
عباس قال : الغناء هي يمانية أسمد لنا غن لنا وكذا قال عكرمة وفي رواية عن ابن عباس " سامدون "
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) — صفحة 278
مساهمون: ابن كثير
ص٢٧٨