وانتهاؤه إلى البيت العتيق وهو الكعبة كما قال تعالى " هديا بالغ الكعبة " وقال " والهدي معكوفا أن يبلغ
محله " وقد تقدم الكلام على معنى البيت العتيق قريبا ولله الحمد ، وقال ابن جريج عن عطاء قال : كان ابن
عباس يقول كل من طاف بالبيت فقد حل قال الله تعالى " ثم محلها إلى البيت العتيق " .
ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر
المخبتين ( 34 ) الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم
ينفقون ( 35 )
يخبر تعالى أنه لم يزل ذبح المناسك وإراقة الدماء على اسم الله مشروعا في جميع الملل ، وقال علي بن أبي
طلحة عن ابن عباس " ولكل أمة جعلنا منسكا " قال عيدا وقال عكرمة ذبحا ، وقال زيد بن أسلم في قوله " ولكل
أمة جعلنا منسكا " إنها مكة لم يجعل الله لامة قط منسكا غيرها ، وقوله " ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من
بهيمة الأنعام " كما ثبت في الصحيحين عن أنس قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين فسمى وكبر
ووضع رجله على صفاحهما ، قال الإمام أحمد بن حنبل حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا سلام بن مسكين عن عائذ الله
المجاشعي عن أبي داود - وهو نفيع بن الحارث - عن زيد بن أرقم قال قلت أو قالوا يا رسول الله ما هذه الأضاحي ؟
قال " سنة أبيكم إبراهيم " قالوا ما لنا منها ؟ قال : " بكل شعرة حسنة " قال فالصوف ؟ قال " بكل شعرة من
الصوف حسنة " وأخرجه الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد ابن ماجة في سننه من حديث سلام بن مسكين به .
وقوله " فإلهكم إله واحد فله أسلموا " أي معبودكم واحد وإن تنوعت شرائع الأنبياء ونسخ بعضها بعض فالجميع
يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له " وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا
فاعبدون " ولهذا قال " فله أسلموا " أي أخلصوا واستسلموا لحكمه وطاعته " وبشر المخبتين " قال مجاهد
المطمئنين وقال الضحاك وقتادة المتواضعين وقال السدي الوجلين وقال عمرو بن أوس : المخبتين الذين لا
يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا ، وقال الثوري " وبشر المخبتين " قال المطمئنين الراضين بقضاء الله
المستسلمين له وأحسن بما يفسر بما بعده هو قوله " الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم " أي خافت منه قلوبهم
" والصابرين على ما أصابهم " أي من المصائب ، قال الحسن البصري والله لنصبرن أو لنهلكن " والمقيمي
الصلاة " قرأ الجمهور بالإضافة السبعة وبقية العشرة أيضا ، وقرأ ابن السميفع " والمقيمين الصلاة " بالنصب
وعن الحسن البصري " والمقيمي الصلاة " وإنما حذف النون ههنا تخفيفا ولو حذفت للإضافة لوجب خفض
الصلاة ولكن على سبيل التخفيف فنصبت أي المؤدين حق الله فما أوجب عليهم من أداء فرائضه " ومما رزقناهم
ينفقون " أي وينفقون ما آتاهم الله من طيب الرزق على أهليهم وأقاربهم وفقرائهم ومحاويجهم ويحسنون إلى
الخلق مع محافظتهم على حدود الله ، وهذه بخلاف صفات المنافقين فإنهم بالعكس من هذا كله كما تقدم تفسيره
في سورة براءة .
والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا
منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون ( 36 )
يقول تعالى ممتنا على عبيده فيما خلق لهم من البدن وجعلها من شعائره وهو أنه جعلها تهدي إلى بيته الحرام بل
هي أفضل ما يهدى إليه كما قال تعالى " لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) — صفحة 231
مساهمون: ابن كثير
ص٢٣١