هريرة : الخلاق : الدين " وخضتم كالذي خاضوا " قالوا يا رسول الله كما صنعت فارس والروم ؟ قال فهل الناس إلا
هم ؟ وهذا الحديث له شاهد في الصحيح .
ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم بالبينات
فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ( 70 )
يقول تعالى واعظا لهؤلاء المنافقين المكذبين للرسل " ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم " أي ألم تخبروا خبر من
كان قبلكم من الأمم المكذبة للرسل " قوم نوح " وما أصابهم من الغرق العام لجميع أهل الأرض إلا من آمن
بعبده ورسوله نوح عليه السلام " وعاد " كيف أهلكوا بالريح العقيم لما كذبوا هودا عليه السلام " وثمود " كيف
أخذتهم الصيحة لما كذبوا صالحا عليه السلام وعقروا الناقة " وقوم إبراهيم " كيف نصره الله عليهم وأيده
بالمعجزات الظاهرة عليهم وأهلك ملكهم نمروذ بن كنعان بن كوش الكنعاني لعنه الله " وأصحاب مدين " وهم
قوم شعيب عليه السلام وكيف أصابتهم الرجفة وعذاب يوم الظلة " والمؤتفكات " قوم لوط وقد كانوا
يسكنون في مدائن وقال في الآية الأخرى " والمؤتفكة أهوى " أي الأمة المؤتفكة وقيل أم قراهم وهي سدوم
والغرض أن الله تعالى أهلكهم عن آخرهم بتكذيبهم نبي الله لوطا عليه السلام وإتيانهم الفاحشة التي لم يسبقهم
بها أحد من العالمين " أتتهم رسلهم بالبينات " أي بالحجج والدلائل القاطعات " فما كان الله ليظلمهم " أي
بإهلاكه إياهم لأنه أقام عليهم الحجة بإرسال الرسل وإزاحة العلل " ولكن كانوا أنفسهم يظلمون " أي بتكذيبهم
الرسل ومخالفتهم الحق فصاروا إلى ما صاروا إليه من العذاب والدمار .
والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة
ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم ( 71 )
لما ذكر تعالى صفات المنافقين الذميمة عطف بذكر صفات المؤمنين المحمودة فقال " والمؤمنون والمؤمنات
بعضهم أولياء بعض " أي يتناصرون ويتعاضدون كما جاء في الصحيح " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه
بعضا " وشبك بين أصابعه وفي الصحيح أيضا " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا
اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر " وقوله " يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر " كقوله
تعالى " ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر " الآية . وقوله " ويقيمون
الصلاة ويؤتون الزكاة " أي يطيعون الله ويحسنون إلى خلقه " ويطيعون الله ورسوله " أي فيما أمر وترك ما عنه زجر
" أولئك سيرحمهم الله " من اتصف بهذه الصفات " إن الله عزيز " أي يعز من أطاعه فإن العزة لله ولرسوله
وللمؤمنين " حكيم " في قسمته هذه الصفات لهؤلاء وتخصيصه المنافقين بصفاتهم المتقدمة فإن له الحكمة في
جميع ما يفعله تبارك وتعالى .
وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان
من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم ( 72 )
يخبر تعالى بما أعده للمؤمنين به والمؤمنات من الخيرات والنعيم المقيم في " جنات تجري من تحتها الأنهار
خالدين فيها " أي ماكثين فيها أبدا " ومساكن طيبة " أي حسنة البناء طيبة القرار كما جاء في الصحيحين من
حديث أبي عمران الجوني عن أبي بكر بن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) — صفحة 383
مساهمون: ابن كثير
ص٣٨٣