إلى موسى أن أضرب بعصاك البحر فضربه فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم - يقول مثل الجبل - ثم سار موسى
ومن معه واتبعهم فرعون في طريقهم حتى إذا تتاموا فيه أطبقه الله عليهم فلذلك قال " وأغرقنا آل فرعون وأنتم
تنظرون " وكذلك قال غير واحد من السلف كما سيأتي بيانه في موضعه وقد ورد أن هذا اليوم كان يوم عاشوراء كما
قال الإمام أحمد ، حدثنا عفان ، حدثنا عبد الوارث ، حدثنا أيوب عن عبد الله بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن
عباس قال قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود يصومون يوم عاشوراء فقال " ما هذا اليوم الذي تصومون " ؟ قالوا
هذا يوم صالح هذا يوم نجى الله عز وجل فيه بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى عليه السلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
" أنا أحق بموسى منكم " فصامه وأمر بصومه ، وروى هذا الحديث البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة من طرق عن
أيوب السختياني به نحو ما تقدم وقال أبو يعلى الموصلي ، حدثنا أبو الربيع ، حدثنا سلام يعني ابن سليم عن زيد
العمي عن يزيد الرقاشي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " فلق الله البحر لبني إسرائيل يوم عاشوراء " وهذا ضعيف من
هذا الوجه فإن زيد العمي فيه ضعف وشيخه يزيد الرقاشي أضعف منه .
وإذ وعدنا موسى أربعين ليلة ثم أتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون ( 51 ) ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون
( 52 ) وإذ أتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون ( 53 )
يقول تعالى واذكروا نعمتي عليكم في عفوي عنكم لما عبدتم العجل بعد ذهاب موسى لميقات ربه عند انقضاء أمد
المواعدة وكانت أربعين يوما وهي المذكورة في الأعراف في قوله تعالى " وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر "
قيل إنها ذو القعدة بكماله وعشر من ذي الحجة وكان ذلك بعد خلاصهم من فرعون وإنجائهم من البحر وقوله تعالى
" وإذ آتينا موسى الكتاب " يعني التوراة " والفرقان " وهو ما يفرق بين الحق والباطل والهدى والضلالة " لعلكم
تهتدون " وكان ذلك أيضا بعد خروجهم من البحر كما دل عليه سياق الكلام في سورة الأعراف ولقوله تعالى " ولقد
آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون " وقيل الواو زائدة
والمعنى ولقد آتينا موسى الكتاب الفرقان وهذا غريب وقيل عطف عليه وإن كان المعنى واحدا كما في قول الشاعر :
وقدمت الأديم لراقشيه * فألفى قولها كذبا ومينا
وقال الآخر :
ألا حبذا هند وأرض بها هند * وهند أتى من دونها النأي والبعد
فالكذب هو المين ، والنأي هو البعد . وقال عنترة :
حييت من طلل تقادم عهده أقوى وأقفر بعد أم الهيثم
فعطف الاقفار على الاقواء وهو هو .
وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم
عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم ( 54 )
هذه صفة توبته تعالى على بني إسرائيل من عبادة العجل ، قال الحسن البصري رحمه الله في قوله تعالى " وإذ قال
موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل " فقال ذلك حين وقع في قلوبهم من شأن عبادتهم العجل
ما وقع حتى قال الله تعالى " ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا " الآية .
قال : فذلك حين يقول موسى " يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل " قال أبو العالية وسعيد بن جبير
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) — صفحة 95
مساهمون: ابن كثير
ص٩٥