منها : الارجاعات الابتدائية مثل قوله ( ع ) لابان بن تغلب اجلس في مسجد
المدينة وافت الناس الخ ، ومثل قوله في التوقيع الرفيع : واما الحوادث الواقعة
فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا ، وما كتبه الامام إلي قثم بن عباس ، وما ورد في تفسير
آية النفر إلى غير ذلك فان القوم رضي الله عنهم وان استدلوا بها علي حجية قول الثقة ، الا ان
الاستدلال بها على حجية فتوى المفتى أظهر ، فان هؤلاء الأعاظم كانوا في الرعيل
الأول من فقهاء عصرهم ، وكانوا يناظرون العامة في فقههم وعقائدهم ، ويستفرغون
الوسع في فهم كتاب الله وسنة نبيه ومعاني اخبار أئمتهم ، حسب ما رزقهم الله من
الفهم والاجتهاد .
هذا ما بذلنا جهدنا في قلع الشبهة الا في النفس منه شئ ، وهو ان هذه النصوص
وإن كانت تعطينا وجود أصل الاجتهاد في الاعصار ووجود الفقهاء في الأمصار ، الا ان
الاختلاف الذي نشاهده بين فقهائنا بحيث صارت المسائل النظرية الاتفاقية في هذه
الاعصار قليلة جدا ، لم يكن بين فقهاء تلك الاعصار الماضية فارجاع العوام إلى هؤلاء
المتفقون في الرأي غالبا ، لا يستلزم جواز الرجوع إلى غيرهم الذين قلما يحصل بينهم
الاتفاق ، فعندئذ لا مناص في الجواب عن التمسك بالوجه الثاني كما سنوضحه .
الثاني : لو سلمنا ما ادعاه القائل لكن نقول : إن النبي الأكرم والأئمة من
بعده عارفون بحال أمته ، وما يجرى عليهم في مختلف الزمان ومرور الدهور ، من
غيبة ولى الدين ، وامامه ، وحرمان الأمة عن الوصول إليه ، وان الأمة بمقتضى ارتكازهم
من لزوم رجوع الجاهل إلى عالمه ، سوف يرجعون إلى علمائهم ، الذين لا محيص لهم
من الرجوع إلى اخبارهم وآثارهم التي دونها أربابها ، باذلين جهدهم ، مستفرغين بالهم
في استنباط الحكم : فلو لم يكن هذه السيرة مرضية لكان عليهم الردع ، ومنع
الأمم الجائية عن التطرق بهذا الطريق وارجاعهم إلى طريق آخر وقد أخبروا ( ع ) عن
كثير من الأمور التي لم يكن يوم ذاك عنها عين ولا اثر وكيف وقد أمروا أصحابهم
بضبط الأحاديث والأصول معللين بأنه سيأتي زمان هرج ومرج ، ويحتاج الناس
بكتبكم ، كل ذلك يرشدنا إلي كون السيرة مطلقا ماضية بلا اشكال .
تهذيب الأصول تقرير أبحاث السيد روح اللَّه موسوى الخميني ( دار الفكر ) — صفحة 171
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص١٧١