الجواب عن الشبهة
قلت : ان ذلك أشبه شئ بالشبهة ويمكن الجواب عنه بوجهين :
الأول : ان الاجتهاد بالمعنى الوسيع واعمال النظر في الروايات ، والتدقيق
في دلالتها وترجيح بعضها على بعض ، كان موجودا في اعصارهم دارجة بين أصحابهم
فان الاجتهاد وان توسع نطاقه في اعصارنا وبلغ مبلغا عظيما ، الا ان أصل الاجتهاد ، بالمعنى
الجامع بين عامة مراتبه كان دارجا في تلك الاعصار وان الأئمة ارجعوا شيعتهم إلى
الفقهاء في اعصارهم وكانت سيرة العوام الرجوع إليهم من دون تزلزل . اما ما يدل
على وجود الاجتهاد في اعصارهم فعدة روايات .
منها : ما رواه ابن إدريس في مستطرفات السرائر نقلا عن هشام بن سالم عن أبي
عبد الله ( ع ) قال : انما علينا القاء الأصول وعليكم ان تفرعوا ( الوسائل كتاب القضاء الباب
6 / 52 ) ورواه أيضا عن كتاب أحمد بن محمد بن أبي نصر عن الرضا ( ع ) قال علينا القاء الأصول
وعليكم التفريع فان التفريع الذي هو استخراج الفروع عن الأصول الكلية الملقاة وتطبيقها
على مواردها وصغرياتها ، انما هو شأن المجتهد ، وما هو نفسه الا الاجتهاد ، نعم التفريع
والاستخراج يتفاوت صعوبة كما يتفاوت نطاقه حسب مرور الزمان ، فإذا قال ( ع )
لا تنقض اليقين بالشك أو روى عن النبي : لا ضرر ولا ضرار ، كان على المخاطبين وعلى
علماء الأعصار المتأخرة ، استفراغ الوسع ، في تشخيص صغرياته وما يصلح أن يكون
مصداقا له أو لا يصلح ، فهذا ما نسميه الاجتهاد .
منها : ما رواه الصدوق في معاني اخباره عن داود بن فرقد : قال : سمعت أبا عبد الله
( ع ) يقول أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا ان الكلمة لتنصرف على وجوه
فلو شاء انسان لصرف كلامه كيف شاء ولا يكذب ( الوسائل الباب 9 / 3 ) فان عرفان
معاني الكلام ليس الا تشخيص ما هو الأظهر بين المحتملات ، بالفحص عن القرائن الحافة
وبعرض اخبارهم على الكتاب والسنة وعلى اخبار العامة وفتاواهم ، وغير ذلك ، مما
يتضح به المراد ، ويتعين ما هو المفاد ، وليس هذا الا الاجتهاد .
تهذيب الأصول تقرير أبحاث السيد روح اللَّه موسوى الخميني ( دار الفكر ) — صفحة 167
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص١٦٧