تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن المجيد — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
عليها القياس ، وليس يجوز لنا أن نعدل عن ظواهر القرآن وحقيقة الكلام إلَّا بدليل يلجأ إلى ذلك ولا دليل في قوله تعالى : * ( فَأَنْزَلَ اللَّه سَكِينَتَه عَلَيْه ) * ، فيتعدّى من أجله المكّنى عنه إلى غيره . وشئ آخر : وهو أنّ العرب إنّما تستعمل ذلك إذا كان المعنى فيه معروفا والالتباس منه مرتفعا ، فتكتفي بلفظ الواحد عن الاثنين للاختصار ، مع الأمن من وقوع الشبهة والارتياب ، فأمّا إذا لم يكن الشيء معروفا ، وكان الالتباس عند أفراده متوهّما ، لم يستعمل ذلك ، ومن استعمله كان عندهم ملغّزا معميا . ألا ترى أنّ اللَّه سبحانه لمّا قال : والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والْفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّه ، علم كلّ سامع للخطاب أنّه أرادهما معا بما قدّمه من كراهة كنزهما ، المانع من إنفاقهما ، فلمّا عمّ الشيئين بذكر يتضمّنهما في ظاهر المقال بما يدلّ على معنى ما أخرّه من ذكر الإنفاق ، اكتفى بذكر أحدهما للاختصار . وكذلك قوله تعالى : وإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها ( 1 ) إنّما اكتفى بالكناية عن أحدهما في ذكرهما معا لما قدّمه في ذكرهما من دليل ما تضمّنته الكناية ، فقال تعالى : وإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها ، فأوقع الرؤية على الشيئين جميعا وجعلهما سببا للاشتغال بما وقعت عليه منهما عن ذكر اللَّه عزّ وجلّ والصلاة ، وليس يجوز أن يقع الالتباس في أنّه أراد أحدهما مع ما قدّمه من الذكر إذ لو أراد ذلك ، لخلا الكلام عن الفائدة المعقولة ، فكان العلم بذلك يجزي في الإشارة إليه . وكذلك قوله تعالى : واللَّه ورَسُولُه أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوه ( 2 ) لما تقدم ذكر اللَّه على التفصيل ، وذكر رسوله على البيان دلّ على أنّ الحقّ في الرضا لهما جميعا ، وإلَّا لم يكن ذكرهما جميعا معا يفيد شيئا على الحدّ الذي قدّمناه ، وكذلك قول الشاعر :
نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف
لو لم يتقدّمه قوله : نحن بما عندنا ، لم يجز الاقتصار على الثاني ، لأنّه لو حمل الأوّل
هامش
( 1 ) الجمعة : 11 . ( 2 ) التوبة : 62 .
تفسير القرآن المجيد — صفحة 249 | الشيخ المفيد / السيد محمد علي أيازي