وقوله ( فصدوا عن سبيل الله ) أي صدوا نفوسهم وغيرهم عن سبيل الله
التي هي الحق والهدى . وقيل : فصدوا عن سبيل الله من قبلهم بكفرهم . ثم بين
تعالى مالهم على ذلك فقال ( فلهم عذاب مهين ) يهينهم ويذلهم والإهانة الاحتقار
يقال : أهانه يهينه إهانة ، ومثله أذله يذله إذلالا وأخزاه يخزيه إخزاء ، ونقيضه
الاكرام ، ثم قال ( لن تغني عنهم أموالهم ) التي جمعوها ( ولا أولادهم ) الذين
خلفوهم ( من الله شيئا ) يدفع عقابه عنهم ، أغنى يغني عنى إذا دفع عنه دفعا يستغنى
عنه . ثم قال ( أولئك ) مع هذا كله ( أصحاب النار ) أي الملازمون لها ( وهم
فيها خالدون ) مؤبدون لا يخرجون عنها ( يوم يبعثهم الله جميعا ) و ( يوم ) يتعلق
ب ( لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا . . يوم يبعثهم الله جميعا ) يعنى
يوم القيامة ( فيحلفون له ) أي يقسمون لله ( كما يحلفون لكم ) في الدنيا بأنهم كانوا
مؤمنين في الدنيا في اعتقادهم وظنهم ، لأنهم كانوا يعتقدون أن ما هم عليه هو الحق
( ويحسبون انهم على شئ ) معناه يظنون أنهم على شئ في هذه الايمان . فقال
الله تعالى ( ألا انهم هم الكاذبون ) فيما يذكرونه من الايمان والمعنى إنهم لم يكونوا
مؤمنين على الحقيقة ، وإنما كان اعتقادهم اعتقاد جهل . وقيل : معناه انهم ( هم
الكاذبون ) في الدنيا . وقيل : معناه ألا إنهم هم الخائبون ، يقال كذب ظنه إذا
خاب أمله . وقال قوم ( ويحسبون انهم على شئ ) يعنى في دار الدنيا ، ولا
يحسبون ذلك في الآخرة لأنهم يعلمون الحق اضطرارا ، وهم ملجئون إلى الأفعال الحسنة
وترك القبيح .
قال الرماني : وهذا غلط ، لأنه مخالف لظاهر القرآن بغير دليل ، قال
والصواب ما قال الحسن في أن الآخرة مواطن يمكنون في بعضها من فعل القبيح ،
ولا يمكنون في بعض ، ويكون كذبهم ككذب الصبي الدهش الذي يلحقهم .
التبيان في تفسير القرآن — صفحة 554
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص٥٥٤