وقال آخرون : إنما ظن ظنا قويا وهو الظاهر . وقوله " فاستغفر ربه " معناه
سأل الله المغفرة والستر عليه " وخر راكعا وأناب إليه " أي رجع
إليه بالتوبة .
ثم اخبر تعالى انه أجاب دعوته وغفر له ذلك ، وأخبر ان له مع المغفرة
عند الله لزلفى ، والزلفى القربة من رحمة الله ، وثوابه في جنته " وحسن مآب "
فالمآب والمرجع والمصير والمال واحد . ومن قال إن ذلك كان صغيرة وقعت
مكفرة يقول : معنى قوله " فغفرنا له " بعد الإنابة ، وإن كانت الخطيئة
غفرت في الدنيا . وقيل : انه خطب امرأة كان أوريا ابن حيان قد خطبها
فدخل في سومه ، فاختاروه عليه فعاتبه الله على ذلك ، لان الأنبياء يتنزهون
عن ذلك ، وإن كان مباحا لأنه مما ينفر على بعض الوجوه . وقيل : بل انفذ به
إلى غزوة ، وكان يحب ان يستشهد ليتزوج امرأته لأنهما كانا تحاكما إليه
فوقعت امرأته في قلبه واشتهاها شهوة الطباع من غير أن يحدث أمرا
قبيحا . وأولى الوجوه ما قدمناه انه ترك الندب في ما يتعلق بأدب القضاء .
لان باقي الوجوه ينبغي ان ينزه الأنبياء عنها لأنها تنفر في العادة عن قبول
أقوالهم ، فأما ما يقول بعض الجهال من القصاص أن داود عشق امرأة
أوريا ، وأنه امره بأن يخرج إلى الغزو ، وأن يتقدم امام التابوت وكان
من يتقدم التابوت من شرطه ألا يرجع إلى أن يغلب أو يقتل ، فخبر باطل
موضوع ، وهو مع ذلك خبر واحد لا أصل له ولا يجوز أن تقبل اخبار
الآحاد في ما يتضمن في الأنبياء ما لا يجوز على أدون الناس ، فان الله نزههم
عن هذه المنزلة وأعلى قدرهم عنها . وقد قال الله تعالى " الله يصطفي من
التبيان في تفسير القرآن — صفحة 554
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص٥٥٤