الأمة فكان أبو حنيفة يقرئ الناس الفقه فإذا بلغ أحدهم رتبة الاجتهاد قال له هذا
القول . أفترى ذلك عيبا على من فعله ؟ أو على من اعتقد أن هذا ذم ؟ وما قلت عن
الخطيب فهو أحسن الوجهين له ، لأنه إن كان يعرف هذا وقال هذا ، إنما كان قصده
الطعن على الأئمة جميعهم ، لأن هذه مسألة إجماع ، ألا تراه قال لأبي يوسف ولم يقل
لغيره ، وذلك لعلمه بأبي يوسف وهذا دال على ما قلت ولو كان كما قال الخطيب
لقال لهم جميعا ولم يقرئ أحدا مذهبه .
وروى عن ابن رزق إلى عمر بن حفص بن غياث عن أبيه قال كنت أجلس إلى
أبي حنيفة فأسمعه يسأل عن مسألة في اليوم الواحد فيفتي فيها بخمسة أقاويل ، فلما
رأيت ذلك تركته وأقبلت على الحديث . هذا هو الفقه لأنه يوجه جميع الوجوه حتى
يترجح عنده الحق فيتبعه . وقد روى عن أبي حنيفة أنه كان يتحدث أنه كان يتحدث في المسائل إلى
أن سأله محمد بن الحسن فقال : ما تقول يا شيخ في رجل قال لامرأته إن كلمتك
فأنت طالق إن كلمتك فأنت طالق إن كلمتك فأنت طالق . فقال ثم ماذا ؟ فقال
محمد أنظر حينا . فأطرق أبو حنيفة رأسه ثم رفعه . فقال : طلقت ثنتان . فقال أحسنت .
فقال ما أدرى أي قوليه أوجع . أنظر حينا أو أحسنت . قال فما كان أبو حنيفة بعد
ذلك إلى سئل مسألة يعرف رأسه حتى يأتي بالجواب . وفقهه معروف لا أحتاج أن
أذكره فمن أراد أن يعرفه فليقف عليه وليتصفحه ، فقد روى أن عالما يهوديا كان
بالبصرة فطلب الجامع الكبير ، فلما وقف عليه . قال : من بحث عن دينه مثل هذا
ودقق مثل هذه المسائل ثم لم يدعها لنفسه وإنما نسبها إلى نبي أشهد أنه على الحق .
فأسلم وهذا يعد من بركات محمد بن الحسن رحمه الله لما صنفه ، ومسائله معروفة
فإن من أراد أن يقرأه ويفهمه يحتاج أن يكون عالما بارعا بستة علوم ، أولها الكتاب
العزيز ، والآثار ، والفقه ، والنحو ، واللغة والحساب . ومن لم يكن مجيدا بهذه العلوم
لم يعرفه إلا تقليدا .
وروى عن الحسن بن أبي طالب إلى ابن المقري عن أبيه قال سمعت أبا حنيفة
يقول : ما رأيت أفضل من عطاء ، وعامة ما أحدثكم به خطأ هذا لا يثبت مثله عن
أحد أن يقول أكثر ما أقوله خطأ ، فإن قال أحد من العلماء مثل هذا إنما يريد به
التواضع وهذا الأحسن بالعالم لا سيما في الاجتهاديات فإن العلماء لمجمعون على أن
المجتهد ليس على الخطأ بيقين ، ولا على الصواب بيقين ولهذا سميت الاجتهاديات وقد
الرد على أبي بكر الخطيب البغدادي — صفحة 75
مساهمون: ابن النجار البغدادي
ص٧٥