الباب الثلاثون
في غزوة تبوك
ويقال إنها غزوة العسرة والفاضحة : اختلف في سببها ، فقيل إن جماعة من الأنباط الذين
يقدمون بالزيت من الشام إلى المدينة ذكروا للمسلمين أن الروم جمعوا جموعا كثيرة بالشام ،
وأن هرقل قد رزق أصحابه لسنة ، وأجلبت معهم لخم وجذام وعاملة وغسان وغيرهم من
متنصرة العرب ، وجاءت مقدمتهم إلى البلقاء ولم يكن لذلك حقيقة ، ولما بلغ رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك ندب الناس إلى الخروج - نقله محمد بن عمر ومحمد بن سعد .
وروى الطبراني بسند ضعيف عن عمران بن حصين - رضي الله عنهما قال : كانت
نصارى العرب كتبت إلى هرقل / : إن هذا الرجل الذي قد خرج يدعي النبوة هلك وأصابتهم
سنون فهلكت أموالهم . فان كنت تريد أن تلحق دينك فالآن ، فبعث رجلا من عظمائهم وجهز
معه أربعين ألفا فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمر بالجهاد ( 1 ) .
وقيل : إن اليهود قالوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يا أبا القاسم إن كنت صادقا فالحق بالشام
فإنها أرض الأنبياء ، فغزا تبوك لا يريد الشام . فلما بلغ ، تبوك أنزل الله تعالى الآيات من سورة
بني إسرائيل : ( وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا
قليلا ) [ الاسراء 76 ] رواه ابن أبي حاتم ، وأبو سعد ، النيسابوري ، والبيهقي باسناد حسن .
وقيل : إن الله سبحانه وتعالى لما منع المشركين من قربات المسجد الحرام في الحج
وغيره قالت قريش : لتقطعن عنا المتاجر والأسواق وليذهبن ما كنا نصيب منها ، فعوضهم الله
تعالى - عن ذلك بالامر بقتال أهل الكتاب حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون
كما قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد
عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم ، قاتلوا
الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين
الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهو صاغرون ) [ التوبة 28 ، 29 ]
وقال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة
واعلموا ان الله مع المتقين ) [ التوبة 123 ] وعزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على قتال الروم ، لأنهم
أقرب الناس إليه ، وأولى الناس بالدعوة إلى الحق لقربهم إلى الاسلام رواه ابن مردويه عن ابن
عباس وابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد ، وابن جرير عن سعيد بن جبير .
هامش
( 1 ) انظر المجمع 6 / 194 وقال فيه العباس بن الفضل الأنصاري وهو ضعيف .