الباب التاسع والعشرون
في غزوة الطائف
لما قدم فل ثقيف الطائف رموا حصنهم وأغلقوا عليهم أبواب مدينتهم ، وتهيئوا للقتال ،
وكانوا أدخلوا فيه قوت سنة لو حصروا وجمعوا حجارة كثيرة ، وأعدوا سككا من الحديد
وأدخلوا معهم قوما من العرب من عقيل وغيرهم ، وأمروا بسرحهم أن يرفع في موضع يأمنون
فيه ، وقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين يديه خالد بن الوليد في ألف من أصحابه إلى الطائف ، فاتى
خالد الطائف فنزل ناحية من الحصن ، وقامت ثقيف على حصنها بالرجال والسلاح ، ودنا خالد
في نفر من أصحابه فدار بالحصن من كان متنحيا عنه ، ونظر إلى نواحيه ، ثم وقف في ناحية
من الحصن فنادى بأعلى صوته : ينزل إلي بعضكم أكلمه وهو آمن حتى يرجع ، أو اجعلوا لي
مثل ما جعلت لكم ، وأدخل عليكم حصنكم أكلمكم . قالوا : لا ينزل إليك رجل منا ولا تصل
إلينا ، وقالوا : يا خالد إن صاحبكم لم يلق قوما يحسنون قتاله غيرنا . قال خالد : فاسمعوا من
قولي ، نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باهل الحصون والقوة بيثرب وخيبر ، وبعث رجلا واحدا إلى
فدك فنزلوا على حكمه ، وأنا أحذركم مثل يوم بني قريظة ، حصرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أياما ، ثم
نزلوا على حكمه ، فقتل مقاتلتهم في صعيد واحد ثم سبى الذرية ، ثم دخل مكة فافتتحها وأوطأ
هوازن في جمعها ، وأنتم في حصن في ناحية من الأرض ، لو ترككم لقتلكم من حولكم ممن
أسلم . قالوا : لا نفارق ديننا ، ثم رجع خالد بن الوليد إلى منزله .
وسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد خالد ولم يرجع إلى مكة ، ولا بها عرج على شئ إلا على
غزو الطائف قبل أن يقسم غنائم حنين وقبل كل شئ وترك السبي بالجعرانة وملئت عرش مكة
منهم .
وكان مسيره في شوال سنة ثمان ، وقال شداد بن عارض الجشمي - رضي الله عنه - في
مسير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :
لا تنصروا اللات إن الله مهلكها * وكيف ينصر من هو ليس ينتصر ؟
إن التي حرقت فاشتعلت * ولم تقاتل لدى أحجارها هدر
إن الرسول متى ينزل بلادكم * يظعن وليس بها من أهلها بشر
قال ابن إسحاق - رحمه الله تعالى - فسلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعني من حنين إلى
الطائف على نخلة اليمانية ، ثم على قرن ثم على المليح ، ثم على بحرة الرغاء من لية ، فابتنى ،
بها مسجدا فصلى فيه ، وأقاد يومئذ ببحرة الرغاء حين نزلها بدم ، وهو أول دم أقيد به في
الاسلام ، أتي برجل من بني ليث قتل رجلا من هذيل فقتله به . وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو
بلية بحصن مالك بن عوف فهدم . وصلى الظهر بلية . ثم سلك في طريق يقال لها الضيقة ،
سبل الهدى والرشاد — صفحة 382
مساهمون: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
ص٣٨٢