مرة عنه ، فربما رأيته قائما يرمي عن قوسه ، ويرمي بالحجر حتى تحاجزوا ، وثبت
رسول الله صلى الله عليه وسلم في عصابة ثبتت معه .
وقال محمد بن عمر : ثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانه ما يزول قدما واحدا ، بل وقف في
وجه العدو ، وما يزال يرمي عن قوسه حتى تقطع وتره ، وبقيت في يده منه قطعة تكون شبرا في
سية القوس ، فأخذ القوس عكاشة بن محصن ليوتره له ، فقال : يا رسول الله لا يبلغ الوتر ، فقال :
" مدة فيبلغ " ، قال عكاشة : فوالذي بعثه بالحق لمددته حتى بلغ ، وطويت منه ليتين أو ثلاثا
على سية القوس ، ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قوسه ، فما زال يرمي به وأبو طلحة يستره متترسا عنه
حتى تحطمت القوس ، وصارت شظايا ، وفنيت نبله ، فأخذ القوس قتادة بن النعمان ، فلم تزل
عنده ، ورمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجارة ، وكان أقرب الناس إلى العدو ، وثبت معه صلى الله عليه وسلم خمسة
عشر رجلا : ثمانية من المهاجرين : أبو بكر ، وعمر ، وعلي ، وطلحة ، والزبير ، وعبد الرحمن بن
عوف ، وسعد بن أبي وقاص ، وأبو عبيدة بن الجراح . وسبعة من الأنصار : الحباب بن المنذر ،
وأبو دجانة ، وعاصم بن ثابت ، والحارث بن الصمة ، وسهل بن حنيف وسعد بن معاذ -
وقيل : سعد بن عبادة - ومحمد بن مسلمة . ويقال : ثبت بين يديه يومئذ ثلاثون رجلا كلهم
يقول : وجهي دون وجهك ، ونفسي دون نفسك ، وعليك السلام غير مودع !
وروى الطبراني عن ابن عباس : أن ابن مسعود ثبت يومئذ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجعل
رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انكشف الناس عنه إلى الجبل لا يلوون يدعوهم في أخراهم يقول : " إلي
يا فلان ، أنا رسول الله " ، فما يعرج عليه أحد ، وهذا النبل يأتيه صلى الله عليه وسلم من كل ناحية ، والله تعالى
يصرف ذلك عنه .
وروى محمد بن عمر الأسلمي عن نافع بن جبير قال : سمعت رجلا من المهاجرين
يقول : شهدت أحدا فنظرت إلى النبل من كل ناحية ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وسطها ، كل ذلك
يصرف عنه . ولقد رأيت عبد الله بن شهاب الزهري يقول يومئذ : دلوني على محمد ، لا نجوت
إن نجا . ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه ما معه أحد ، ثم جاوزه فعاتبه صفوان بن أمية في ذلك ،
فقال : والله ما رأيته ، أحلف بالله إنه منا ممنوع ، أما والله خرجنا أربعة فتعاهدنا ، وتعاقدنا على
قتله ، فلم نخلص إليه .
قال ابن سعد : قال أبو النمر الكناني وهو جد شريك بن عبد الله بن أبي نمر : شهدت
أحدا مع المشركين ، ورميت يومئذ بخمس مرماة ، فأصبت منها بأسهم ، وإني لأنظر إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن أصحابه لمحدقون به ، وإن النبل لتمر عن يمينه وعن شماله ، [ وتقصر ] بين
يديه ، وتخرج من ورائه ، ثم هداني الله للاسلام .
سبل الهدى والرشاد — صفحة 197
مساهمون: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
ص١٩٧