جثمان المرء عما واراه ، ويبيخ إنسان الطَّرف رعي حماه ؛ يديل من ظلمة اللَّيل ضوء النهار ، وينمّ بما استودعته من الأسرار ؛ يشرف إلى غيضة قد التفّت أشجارها ، وتهدّلت ثمارها ، ورقصت أغصانها إذ غنّت أطيارها ، واطَّردت بصافي الزّلال أفهارها ، ونمّت بعرف العنبر الشّحريّ ( 1 ) أزهارها ؛ وقد قامت عرائس النّارنج على أرجلها ، تختال في حليها وحللها ؛ قد ألبست من أوراقها خلعا خضرا ، وحلَّيت من ثمارها تبرا ، ونظَّم قداحها في جيادها لؤلؤا رطبا ، ورنّحها نسيم السّحر فمالت عجبا ؛ وقد مدّت في أرضها من البنفسج مفارش سندس فروزت ( 2 ) بالجداول ، كبساط أخضر سلَّت أيدي القيون ( 3 ) عليه صقيلات المعاول ، وقد حدّقت عيون الرّقباء من النّرجس قائمة على ساق ، ولعبت بها يد النّسيم فتمايلت كعناق المحبّين عند الفراق ؛ فاجتلينت محيّا وسيما تتبلَّج أسرّته ، ومنظرا جسيما تروق بهجته ؛ قد مدّ السّماط بساطا أزرقا ، بزهر الكواكب مشرقا ، وطرّزه بالشّفق طرازا مذهبا ، وأبدى تحته للأصباح مفرقا أشيبا :
ورث قميص اللَّيل حتّى كأنّه
سليب بأنفاس الصّبا متوشّح
ورقّع منه الذّيل صبح كأنّه
وقد لاح شخص أشقر اللَّون أجلح
ولاحت بقيّات النّجوم كأنّها
على كبد الخضراء نور يفتّح !
وجنح البدر للغروب فتداعت الكواكب تتبعه كوكبا فكوكبا ، فكأنه ملك اتّخذ المجرّة عليه مضربا ، وتوّج بالثّريا إكليلا ، وخنست ( 4 ) الكواكب بين يديه توقيرا له وتبجيلا ، واصطفّت حوله خدما وجنودا ، ونشرت من أشعّتها ألوية وبنودا ، وأخذت مقاماتها في مراكزها كجيوش عبّئت للقاء مناجزها ، ومسابقها أخذ فرصة النّصر ومناهزها :
هامش
( 1 ) نسبة إلى « الشّحر » : ساحل بين عدن وعمان . ( معجم البلدان : 3 / 327 ) .
( 2 ) أي شقتها الجداول .
( 3 ) القيون والأقيان : جمع قين ، وهو الحدّاد .
( 4 ) خنس الكوكب : توارى . وفي التنزيل العزيز : « فلا أقسم بالخنّس ، الجوار الكنّس » .