ورفضه الناس ، وجعل ينكت الأرض ، ويواصل بكفّه العضّ ، ويتشاءم بيومه ، ويعود على نفسه بلومه ؛ يمسح جبينه ، ويكثر أنينه ؛ فقمت فقامت معي الجماعة وتركته ، واستهانت به وفركته ؛ فلما بقي وحده ، تمنّى لحده ، وأسبل دمعته ، وودّ أنّ الأرض بلعته .
وكان كمثل البوّ ( 1 ) ما بين روّم
تلوذ بحقويه السّراة الأكابر
فأصبح مثل الأجرب الجلد مفردا
طريدا فما تدنو إليه الأباعر !
فقام فتبعني ، ووقف وودّعني ، وأطال الاعتذار ، وأظهر التّوبة والاستغفار ، وقال : مثلك من ستر الخلل ، وأقال العثرة والزّلل ؛ فقد اغتررت من سنّك بالحداثة ، ومن أخلاقك بالدّماثة ؛ فقلت : كلّ ذلك مفهوم معلوم ، وأنت فيه معذور لا ملوم ؛ وما جرى بيننا فهو منسيّ غير مذكور ، ومطويّ غير منشور ، ومخفيّ غير مشهور :
و [ جدال ] ( 2 ) أهل العلم ليس بقادح
ما بين غالبهم إلى المغلوب !
ثم سكت فما أعاد ، ونزلت وعاد ، وكان ذلك أوّل عهد به وآخره ، وباطن لقاء وظاهره ، وكلّ اجتماع وسائره .
هامش
( 1 ) البوّ : جلد يحشى تبنا أو حشيشا لتعطف عليه الناقة إذا مات ولدها ، ثم يقرّب إلى أم الفصيل فتدرّ عليه .
( 2 ) الزيادة من الطبعة الأميرية .