نالوا بها من أعاديهم وإن بعدوا
ما لم ينالوا بحدّ المشرفيّات !
فقلت : كأنّك تريد كتابة الإنشاء دون سائر الكتابات ، وهي التي تقصدها بالتّصريح وتشير إليها بالكنايات ؛ فقال : وهل في أنواع الكتابة جملة نوع يساويها ، أو في سائر الصّنائع على الإطلاق صنعة تضاهيها ؟ إنّ لها للقدح المعلَّى ، والجيد المحلَّى ، والذّروة المنيفة ، والرّتبة الشّريفة ؛ كتّابها أسّ الملك وعماده ، وأركان الملك وأطواده ، ولسان المملكة النّاطق ، وسهمها المفوّق الرّاشق ؛ وللَّه حبيب بن أوس الطَّائيّ ( 1 ) حيث يقول :
ولضربة من كاتب ببنانه
أمضى وأقطع من رقيق حسام !
قوم إذا عزموا عداوة حاسد
سفكوا الدّما بأسنّة الأقلام !
قلمها يبلَّغ الأمل ، ويغني عن البيض والأسل ؛ به تصان المعاقل ، وتفرّق الجحافل :
فلكم يفلّ الجيش وهو عرمرم
والبيض ما سلَّت من الأغماد !
فقلت : إن كتّاب الأموال يزعمون أن لهم في ذلك المقام الأعلى ، والطَّريقة المثلى ، ويستشهدون لفضلها ، وتقدّم أهلها ، بقول الإمام أبي محمد القاسم الحريريّ ، رحمه اللَّه ، في مقاماته ( 2 ) :
« إنّ صناعة الحساب مبنيّة ( 3 ) على التّحقيق ، وصناعة الإنشاء مبنيّة على التّلفيق ، وقلم الحاسب ضابط ، وقلم المنشيء خابط ( 4 ) ؛ وبين إتاوة توظيف المعاملات ، وتلاوة طوامير السّجلَّات ، بون لا يدركه قياس ، ولا يعتوره التباس ؛ إذ الإتاوة تملأ الأكياس ، والتّلاوة تفرّغ الرّاس ، وخراج
هامش
( 1 ) هو أبو تمام ، الشاعر الأشهر وأحد أمراء البيان . توفي سنة 231 ه .
( 2 ) في المقامة الثانية والعشرين المعروفة ب « الفرانيّة » .
( 3 ) في طبعة « دي ساسي » : موضوعة على التحقيق .
( 4 ) من خبط : إذا مشى على غير هداية . ويقال : خبط عشواء ، كما جاء في معلقة زهير .