فسمت هممنا دون همم ملوك الأرض إلى أن نستفتح مقفلها ونسترجع للإسلام شاردها ونعيد على الدّين ضالَّته منها فسرنا إليها بعساكر ضخمة ، وجموع جمّة ، وبأموال انتهكت الموجود ، وبلغت منّا المجهود ، وأنفقناها من خالص ذممنا وكسب أيدينا ، ومن أسارى الفرنج الواقعين في قبضتنا ، فعرضت عوارض منعت ، وتوجّهت للمصريين حيل باستنجاد الفرنج ( 1 ) تمّت : ولكلّ أجل كتاب ، ولكلّ أمل باب .
وكان في تقدير اللَّه سبحانه أنّا نملكها على الوجه الأحسن ، وناخذها بالحكم الأقوى الأمكن ، فغدر الفرنج بالمصريين غدرة في هدنة عظم خطبها وخبطها ، وعلم أنّ استئصال كلمة الإسلام محطَّها ، وكاتبنا المسلمون من مصر في ذلك الزمان ، كما كاتبنا المسلمون من الشام في هذا الأوان ، بأنّا إن لم ندرك الأمر وإلا خرج من اليد ، وإن لم ندفع غريم اليوم لم يمهل إلى الغد ؛ فسرنا بالعساكر الموجودة والأمراء الأهل المعروفة إلى بلاد قد تمهّد لنا بها أمران ، وتقرّر لنا فيها في القلوب ودّان : الأوّل لما علموه من إيثارنا المذهب الأقوم ( 2 ) ، وإحياء الحقّ الأقدم ، والآخر لما يرجونه من فكّ إسارهم ، وإقالة عثارهم ؛ ففعل اللَّه ما هو أهله ، وجاء الخبر إلى العدوّ فانقطع حبله ، وضاقت به سبله ، وأفرج عن الديار بعد أن كانت ضياعها ورساتيقها وبلادها وإقليمها قد نفذت فيها أوامره ، وخفقت عليها صلبانه ، وأمن من أن يسترجع ما كان بأيديهم حاصلا ، وأن يستنقذ ما صار في
هامش
( 1 ) يشير هنا إلى استنجاد الوزير الفاطمي شاور بن مجير السعدي بملك الإفرنج « أموري » حاكم بيت المقدس اللاتيني ليعينه على أسد الدين شيركوه وابن أخيه صلاح اللذين أرسلهما نور الدين محمود لحصار القاهرة وانتزاعها من شاور . وعلى الرغم من أن القلقشندي لم يحدد تاريخ إرسال هذه التذكرة ، إلا أنه من المحتمل حسب تسلسل الأحداث أن تكون بعد سنة 569 ه بقليل ، وهي السنة التي مات فيها السلطان نور الدين محمود وخلفه في الحكم ابنه الصالح إسماعيل . ( الخطط التوفيقية الجديدة : 1 / 61 - 62 - والقلقشندي وكتابه صبح الأعشى : ص 157 ) .
( 2 ) يقصد بذلك مذهب السنّة مقابل مذهب الفاطميين . وقد تسنّى لصلاح الدين بعد موت العاضد القضاء على الدولة الفاطمية ومذهبها وإقامة الدولة الكردية والدعاء للخلافة العباسية ببغداد ، وتبنّي المذهب الشافعي بشكل أساسي .