الفطن على منهاجها ، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه بحور النّعم والنّقم عذبها وأجاجها ، وبدور مساجد التّقى ومشاهد الوغى عند عجاج ليلها وليل عجاجها ، صلاة كصلاتهم آمنة من خداجها ( 1 ) ، ما مدّت نفحات الروض إلى مخالطة سيرهم يد احتجاجها ، ومازجت معاليهم النّجوم فحسن بكأس الثّريّا شرف امتزاجها .
وبعد ، فإنّ أولى الناس باستقرار مناصب الدين العريقة ، واستمرار علوّ الدّرجات : إمّا من المراتب مجازا وإمّا من المنابر حقيقة ، واستمطار الوظائف بعيادة فضله ولا سيّما أعواد الخطابة ، واستبصارها بلفظه ولا سيّما إذا سلَّمت الرّاية العباسيّة من نطقه لعرابة - من درج من عشّ فروعها خافقا عليه جناحا علميه ، وصعد إلى عرشها مقبّلة بنظرات الجفون المتسامية آثار قدميه ، وأعرق نسبه في موطن مكانها المكين ، وبلغ مقامه مقام سلفه أربعين سنة في الطَّلوع بأفقها المبين ، وقال استحقاق ميراثه : « وماذا تدّري الخطباء ( 2 ) منّي » « وقد جاوزت » بمقام السّلف « حدّ الأربعين » ، ومن إذا سمعت خطابته قال الحفل :
لا فضّ فوه ، ولا عدم البيت ولا بنوه ، ومن إذا طلع درج المنبر قال المستجلون لسناه : أهلّ البدر ؟ قيل لهم : أخوه ، ومن إذا قام فريدا عدّ بألف من فرائد الرجال تنظَّم ، وإذا أقبل في سواد طيلسانه واحدا قيل : جاء السّواد الأعظم .
هامش
( 1 ) أخدج الصلاة وخدجها : لم يحكمها .
( 2 ) نثر بيت لسحيم بن وثيل الرياحي المتوفى سنة 60 ه . وهو شاعر مخضرم عاش في الجاهلية والإسلام ، وجاوز عمره المئة . والرواية « الشعراء » بدلا من الخطباء . وحلّ البيت :وماذا تدّري الشعراء مني
وقد جاوزت حدّ الأربعينوقبله :أنا ابن جلا وطلَّاع الثنايا
متى أضع العمامة تعرفوني
صليب العود من سلفي رياح
كنصل السيف وضاح الجبينوفي بعض الروايات « وماذ يبتغي الشعراء مني » . ( العقد الفريد : 4 / 208 وشرح أبيات مغني اللبيب : 4 / 10 والأعلام : 3 / 79 ) .