« من محمد رسول اللَّه إلى معاذ بن جبل :
« سلام عليك ، فإنّي أحمد إليك اللَّه الذي لا اله إلَّا هو .
أما بعد ، فعظَّم اللَّه لك الأجر ، وألهمك الصّبر ، ورزقنا وإيّاك الشّكر ، ثم إنّ أنفسنا وأهلينا وموالينا ( 1 ) من مواهب اللَّه السنيّة ، وعوارفه ( 2 ) المستودعة ، تمتّع ( 3 ) بها إلى أجل معدود ، وتقبض لوقت معلوم ، ثم افترض علينا الشّكر إذا أعطى ، والصبر إذا ابتلى ، وكان ابنك من مواهب اللَّه الهنيّة ، وعوارفه المستودعة ، متّعك به في غبطة وسرور ، وقبضه منك بأجر كثير : الصلاة ( 4 ) والرحمة والهدى إن صبرت واحتسبت ( 5 ) ، فلا تجمعنّ عليك يا معاذ خصلتين ( 6 ) : أن يحبط ( 7 ) جزعك صبرك فتندم على ما فاتك ، فلو قدمت على ثواب مصيبتك قد أطعت ربّك وتنجّزت موعوده ، عرفت أنّ المصيبة قد قصرت عنه . واعلم أنّ الجزع لا يردّ ميّتا ، ولا يدفع حزنا ، فأحسن الجزاء وتنجّز الموعود ، وليذهب أسفك ما هو نازل بك فكأن قد ( 8 ) » .
من كلام المتأخرين :
تعزية بولد ، من إنشاء الشيخ جمال الدين بن نباتة ( 9 ) ، وهي بعد الألقاب .
وأحسن عزاءه بأعزّ فقيد ، وأحبّ حبيب ووليد ، وعوّض بجميل الصبر جوانحه الَّتي سئلت عن الأسى فقالت : ثابت ويزيد . صدرت هذه المفاوضة
هامش
( 1 ) الموالي : جمع مولى ، وهو القريب والصاحب والعبد .
( 2 ) العوارف : ج عارفة ، وهي المعروف ، كالعرف ، بالضم . القاموس المحيط ( عرف ) .
( 3 ) في جمهرة رسائل العرب ( ج 1 ص 66 ) ومفتاح الأفكار ص 56 : « نمتّع » .
( 4 ) الصلاة وما بعدها بدل من « أجر » .
( 5 ) احتسب بكذا أجرا عند اللَّه : اعتدّه ينوي به وجه اللَّه ، واحتسب فلان ابنه إذا مات كبيرا ، فإن مات صغيرا قيل : افترطه .
( 6 ) أي فقد الولد وفقد الثواب .
( 7 ) يحبط : يفسد .
( 8 ) أي فكأن قد نزل بك الموت لأنه لا محالة مدركك .
( 9 ) تقدّمت ترجمته في الحاشية رقم 2 ص 10 من هذا الجزء .