ولو لم يضعوا لها هذه الأشكال الخطية ، لم يكن للخط دلالة على المنطوق ، ولو اقتصروا على كتبها على حسب النطق ولم يضعوا لها أشكالا مفردة تتميز بها لم يمكن ذلك ، لأن الكتابة بحسب النطق متوقفة على معرفة كل حرف حرف وشكل كل حرف حرف غير موضوع ، فاستحال كتبها على حسب النطق . ألا ترى أنك إذا قيل لك : اكتب جيم ، عين ، فاء ، راء ! فإنما تكتب هذه الصورة « جعفر » والملفوظ بلسان الآمر بالكتابة جيم والمكتوب ج ، ولو كان تصوير اللفظ بصور هجائه ، لكان المكتوب « جيم » كالملفوظ على قياس غيره من الألفاظ .
ويشهد لذلك ما حكي أن الخليل رحمه اللَّه قال يوما لطلبته : كيف تنطقون بالجيم من جعفر ؟ فقالوا جيم فقال : إنما نطقتم بالاسم ولم تلفظوا بالمسؤول عنه ، ثم قال : الجواب جه لأنه المسمّى من الكتاب ( يريد جيما مفتوحة ، وإنما أتى فيها بالهاء ليمكن الوقف عليها ) .
الوجه الثاني ألَّا يكون الاسم قاصرا على الحرف بأن يسمّى به غيره أيضا
كما إذا سمّي رجل بقاف أو بياسين ، فللكتّاب فيه مذهبان :
أحدهما
- أن تكتب صورة الحرف هكذا ق ويس .
والثاني
- أن يكتب الملفوظ به هكذا « قاف » و « ياسين » وهو اختيار أبي عمرو ابن الحاجب ( 1 ) رحمه اللَّه .
النوع الثاني ألا يكون اسما لحرف من حروف المعجم
، وهو على وجهين أيضا
هامش
( 1 ) هو عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس : فقيه مالكي ، من كبار العلماء بالعربية . وهو صاحب « الكافية » و « الشافية » في النحو والصرف . توفي بالإسكندرية سنة 646 ه . ( الأعلام 4 / 211 ) .