فيه ببدائع تقلع من قلب الصّبّ غمام غمومه . وفي ذلك قول بعضهم : أوقدت الظهيرة نارها ، وأذكت أوارها ، فأذابت دماغ الضّبّ ، وألهبت قلب الصّبّ ؛ هاجرة كأنها من قلوب العشّاق ، إذا اشتعلت فيها نار الفراق ، حرّ تهرب له الحرباء من الشمس ، وتستجير بمتراكم الرّمس ؛ لا يطيب معه عيش ، ولا ينفع معه ثلج ولا خيش ؛ فهو كالقلب المهجور ، أو كالتّنّور المسجور . ووصف بعضهم ، وهو ذو الرمّة ، حرّ هاجرة فقال :
وهاجرة حرّها واقد
نصبت لحاجبها حاجبي
تلوذ من الشّمس أطلاؤها
لياذ الغريم من الطَّالب
وتسجد للشمس حرباؤها
كما يسجد القسّ للرّاهب
وقال سوّار بن المضرّس :
وهاجرة تشتوى بالسّموم
جنادبها ( 1 ) في رؤوس الأكم
إذا الموت أخطأ حرباءها
رمى نفسه بالعمى والصّمم
وقال أبو العلاء المعريّ :
وهجيرة كالهجر موج سرابها
كالبحر ليس لمائها من طحلب
واخى به الحرباء عودي منبر
للظَّهر إلا أنه لم يخطب
وقال آخر :
وربّ يوم حرّه منضج
كأنّه أحشاء ظمآن
كأنّما الأرض على رضفة ( 2 )
والجوّ محشوّ بنيران
وبالغ الأمير ناصر الدين بن الفقيسي ( 3 ) فقال من أبيات :
هامش
( 1 ) جمع جندب ، وهو الذكر من الجراد ( اللسان : 1 / 257 ) .
( 2 ) الحجر الذي حمي بالشمس أو النار ، والجمع : « رضف » . ( اللسان : 9 / 221 ) .
( 3 ) هو الحسن بن شاور بن طرخان بن الحسن ابن النقيب الكناني المعروف بالفقيسي أو بابن الفقيسي . له شعر جيد عذب . توفي سنة 687 ه . ( فوات الوفيات : 1 / 324 ) .