فهاجت به مرّة فوثب عليه قوم يعضّون إبهامه ويؤذّنون في أذنه ، فأفلت من أيديهم وقال : ما لكم تكأكأتم عليّ كما تكأكؤون على ذي جنّة ! افرنقعوا عنّي . فقال بعضهم : دعوه فإن شيطانه يتكلم بالهنديّة .
وقال أبو علقمة يوما لحاجمه : اشدد قصب اللَّهازم ( 1 ) ، وأرهف ظبات ( 2 ) المشارط ، وأمرّ المسح ( 3 ) ، واستنجل ( 4 ) الرّشح ، وخفّف الوطء ، وعجل النّزع ، ولا تكرهنّ أبيّا ( 5 ) ، ولا تردّن أتيّا ( 6 ) ؛ فقال له الحجّام : ليس لي علم بالحروف ( 7 ) .
ونظر إليه رجل وتحته بغل مصريّ حسن المنظر ، فقال : إن كان مخبر هذا البغل كمنظره فقد كمل ، فقال أبو علقمة : واللَّه لقد خرجت عليه من مصر فتنكَّبت الطريق مخافة السّرّاق وجور السلطان ، فبينا أنا أسير في ليلة ظلماء قتماء ، طحياء مدلهمّة ، حندس ( 8 ) داجية ، في صحصح ( 9 ) أملس ، إذ أحسّ بنبأة ( 10 ) من صوت نغر ( 11 ) ، أو طيران ضوع ( 12 ) ، أو نغض سبد ( 13 ) فحاص عن الطريق متنكَّبا لعزّة نفسه ، وفضل قوّته ، فبعثته باللجام فعسل ( 14 ) ، وحرّكته بالركاب فنسل ( 15 ) ؛ وانتعل
هامش
( 1 ) أصول الحنكين ، واحدتها لهزمة .
( 2 ) جمع : ظبة ، وهو حدّ السيف والسنان والخنجر .
( 3 ) أي : أمرّ الحبل ، أجاد فتله . والمراد الإحكام .
( 4 ) من النجل أي النزّ . واستنجل الرشح أي استخرجه .
( 5 ) الأبيّ : الممتنعة عن العلف لشبعها .
( 6 ) الفرس إذا ضبعت وأرادت الفحل .
( 7 ) في الصناعتين : 33 « فقال الحجّام : ليس لي علم بالحروب » وهو الصحيح .
( 8 ) طخياء ومدلهمة وحندس أي مظلمة .
( 9 ) الصحصح : ما استوى من الأرض .
( 10 ) الصوت الخفيّ .
( 11 ) البلبل وفراخ العصافير .
( 12 ) طائر من طير الليل .
( 13 ) النغض : التحرّك . والسّبد : طائر ليّن الريش إذا وقع عليه قطرتان من الماء جرى .
( 14 ) أي اضطرب في عدوه وهزّ رأسه .
( 15 ) أسرع .