في الذاهبين الأولين من القرون لنا بصائر
لما رأيت مواردا
للموت ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها
تمضي : الأكابر والأصاغر
لا يرجع الماضي إلي
ولا من الباقين غابر
أيقنت أني لا محالة
حيث صار القوم صائر
قال صاحب الأوائل : يروى أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلَّم قال : يعرض هذا الكلام يوم القيامة على قس بن ساعدة فإن كان قاله للَّه فهو من أهل الجنة » .
ومن ذلك خطبة أبي طالب حين خطب النبي صلى اللَّه عليه وسلَّم خديجة وهي ( 1 ) : الحمد للَّه الذي جعلنا من زرع إبراهيم ، وذرية إسماعيل ، وجعل لنا بيتا محجوجا ، وحرما آمنا . ثم إن محمد بن عبد اللَّه بن عبد المطلب ابن أخي من لا يوازن بأحد إلا رجحه ، ولا يعدل بأحد إلا فضله ، وإن كان في المال قل فإن المال ظل زائل ؛ وله في خديجة رغبة ولها فيه مثلها ؛ وما كان من صداق ففي مالي ؛ وله نبأ عظيم وخبر شائع .
ومن خطب النبي صلى اللَّه عليه وسلَّم « أيها الناس كأن الموت فيها على غيرنا قد كتب ، وكأن الحق فيها على غيرنا قد وجب ، وكأن الذي نشيع من الأموات سفر عما قليل إلينا راجعون ، نبوئهم أجداثهم ، ونأكل من تراثهم كأنا مخلدون بعدهم ، ونسينا كل واعظة وأمنا كل جائحة ( 2 ) ، طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ، طوبى لمن أنفق مالا اكتسبه من غير معصية ، وجالس أهل الفقه والحكمة ، وخالط أهل الذل والمسكنة ، طوبى لمن زكت وحسنت خليقته ، وطابت سريرته ، وعزل عن الناس شره ، طوبى لمن أنفق الفضل من ماله ، وأمسك الفضل من قوله ، ووسعته السنة ولم تستهوه البدعة » ! .
هامش
( 1 ) وردت في روايات أخرى مع بعض الاختلاف . ( انظر جمهرة خطب العرب : 1 / 77 ) .
( 2 ) الجوحة والجائحة هي الشدة والنازلة العظيمة التي تجتاح المال . وفي الحديث : أعاذكم اللَّه من جوح الدهر ( اللسان 2 / 431 ) .