تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤

المقصد الثاني في كيفية استعمال آيات القرآن الكريم

واعلم أن تضمين الكلام بعض آي القرآن الكريم ينقسم عند أهل البلاغة إلى قسمين : أحدهما - الاستشهاد بالقرآن الكريم ، وهو أقلهما وقوعا في الكلام ودورانا في الاستعمال : وهو أن يضمن الكلام شيئا من القرآن الكريم ، وينبه عليه مثل قول الحريري في مقاماته : فقلت وأنت أصدق القائلين * ( ( وما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ) ) * ( 1 ) . وقول أبي إسحاق في عهد لملك عن خليفة بعد الأمر بالتقوى والحث عليها : فإذا اطلع اللَّه منه على نقاء جيبه ، وطهارة ذيله ، وصحة مروءته ، واستقامة سيرته ، أعانه على حفظ ما استحفظه ، وأنهضه بثقل ما حمله ، وجعل له مخلصا من الشبهة ، ومخرجا من الحيرة . فقد قال اللَّه تعالى * ( ( ومَنْ يَتَّقِ الله يَجْعَلْ لَه مَخْرَجاً ويَرْزُقْه مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) ) * ( 2 ) وقد قال اللَّه عز وجل * ( ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله حَقَّ تُقاتِه ولا تَمُوتُنَّ إِلَّا وأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) ) * ( 3 ) وقال عز اسمه * ( ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) ) * ( 4 ) إلى آي كثيرة حضنا بها على كرم الخلق ، وأسلم الطرق ؛ فالسعيد من نصبها رأي ناظره ، والشقي من نبذها وراء ظهره ، وأشقى منه من يحث عليها وهو صادف عنها ، فأجاب إليها وهو بعيد منها . وله ولأمثاله يقول اللَّه عز وجل * ( ( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) ) * ( 5 ) وأكثر مشي الصابي ( 6 ) في كتابه على هذا الأسلوب
هامش
( 1 ) سورة الأنبياء / 34 . ( 2 ) سورة الطلاق / 2 . ( 3 ) سورة آل عمران / 102 . ( 4 ) سورة التوبة / 119 . ( 5 ) سورة البقرة / 44 . ( 6 ) هو أبو إسحاق الصابي : نابغة كتاب جيله . تقلد دواوين الرسائل والمظالم والمعاون تقليدا سلطانيا في أيام المطيع للَّه العباسي ، ثم قلده معز الدولة الديلمي ديوان رسائله سنة 349 ه . توفي سنة 384 ه . ( الأعلام 1 / 78 ) .