الفصل الثاني في أصل وضعه في الإسلام وتفرقه عنه بعد ذلك في الممالك
اعلم أن هذا الديوان أوّل ديوان وضع في الإسلام ؛ وذلك أن النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم كان يكاتب أمراءه ، وأصحاب سراياه من الصحابة ، رضوان اللَّه عليهم ويكاتبونه ، وكتب إلى من قرب من ملوك الأرض يدعوهم إلى الإسلام ، وبعث إليهم رسله بكتبه : فبعث عمرو بن أميّة الضّمري إلى النّجاشيّ ملك الحبشة ، وعبد اللَّه بن حذافة إلى كسرى أبرويز ملك الفرس ، ودحية الكلبيّ إلى هرقل ملك الروم ، وحاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب مصر ، وسليط بن عمرو إلى هوذة بن عليّ ملك اليمامة ، والعلاء بن الحضرميّ إلى المنذر بن ساوى ملك البحرين إلى غير ذلك من المكاتبات . وكتب لعمرو بن حزم عهدا حين وجّهه إلى اليمن . وكتب لتميم الداريّ وإخوته بإقطاع بالشام . وكتب كتاب القضيّة بعقد الهدنة بينه وبين قريش عام الحديبية . وكتب الأمانات أحيانا . إلى غير ذلك مما يأتي ذكره في الاستشهاد به في مواضعه إن شاء اللَّه تعالى .
وهذه المكتوبات كلها متعلَّقها ديوان الإنشاء بخلاف ديوان الجيش ، فإن أول من وضعه ورتّبه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه في خلافته .
على أنّ القضاعيّ ( 1 ) قد ذكر في تاريخه « عيون المعارف ، وفنون أخبار الخلائف » أن الزبير بن العوّام ، وجهيم بن الصّلت كانا يكتبان للنبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أموال الصّدقات ، وأن حذيفة بن اليمان كان يكتب له خرص ( 2 ) النخل ، وأن المغيرة بن شعبة والحصين بن نمير كانا يكتبان المداينات والمعاملات . فإن
هامش
( 1 ) محمد بن سلامة بن جعفر ، أبو عبد اللَّه : مؤرخ مفسّر من علماء الشافعية ؛ كان كاتبا للوزير الجرجرائي بمصر أيام الفاطميين . وله « الشهاب في المواعظ والآداب » . ( الأعلام 6 / 146 ) .
( 2 ) خرص النخل : تخمين ما عليها . ( البستان 1 / 661 ) .