إن قطع يده لم يكن في حد ولم يعقه عن عمله ثم بلغ ابن رائق دعاؤه عليه وعلى الراضي فقطع لسانه وحبس إلى أن مات في أسوأ حال ودفن مكانه ثم نبشه أهله فدفنوه في مكان آخر ثم نبش ودفن في موضع آخر فمن الاتفاقات الغريبة أنه ولى الوزارة ثلاث مرات بثلاث خلفاء المقتدر والقاهر والراضي وسافر ثلاث مرات ودفن ثلاث مرات وقال ابن خلكان وأقام ابن مضلة في الحبس مدة طويلة ثم لحقه ذرب ولم يكن له من يخدمه فكان يستقى الماء لنفسه من البئر يجذب بيده اليسرى جذبه وبفمه جذبه وله أشعار في شرح حاله وما انتهى أمره إليه ورثى يده فمن ذلك قوله :
ما سئمت الحياة لكن توثقت بأيمانهم فبانت يميني
بعت ديني لهم بدنياي حتى * حرموني دنياهم بعد ديني
ولقد حطت ما استطعت بجهدي * حفظ أرواحهم فما حفظوني
ليس بعد اليمين لذة عبش * يا حياتي بانت يميني فبيني
ومن شعره أيضا :
وإذا رأيت فتى بأعلى رتبة * في شامخ من عزه المترفع
قالت لي النفس العروف بقدرها * ما كان أولاني بهذا الموضع
وله :
إذا ما مات بعضك فابك بعضا * فإن البعض من بعض قريب
وهو أول من نقل هذه الطريقة من خط الكوفيين إلى هذه الصورة ومن كلامه إني إذا أحببت تهالكت وإذا بغضت أهلكت وإذا رضيت آثرت وإذا غضبت أثرت ومن كلامه يعجبني من يقول الشعر تأدبا لا تكسبا ويتعاطى الغناء تطربا لا تطلبا وله كل معنى مليح في النظم والنثر وكان ما أصابه نتيجة دعاء أبي الحسن بن شنبوذ عليه بقطع اليد وقد تقدم ذكر سبب ذلك ويأتي قريبا في هذه السنة وكانت ولادة ابن مقلة يوم الخميس
شذرات الذهب في أخبار من ذهب — صفحة 311
مساهمون: عبد الحي العكري الدمشقي ( ابن العماد الحنبلي )
ص٣١١