وقد لبست لبس الهلوك ثيابها * تراءى لك الدّنيا بكفّ ومعصم ( 1 ) وتومض أحيانا بعين مريضة * وتبسم عن مثل الجمان المنظَّم
فأعرضت عنها مشمئزّا كأنّما * سقتك مدوفا من سمام وعلقم ( 2 ) وقد كنت من أجبالها في ممنّع * ومن بحرها في مزبد الموج مفعم ( 3 ) وما زلت توّاقا إلى كلّ غاية * بلغت بها أعلى البناء المقدّم
فلمّا أتاك الملك عفوا ولم يكن * لطالب دنيا بعده من تكلَّم
تركت الذي يفنى وإن كان مونقا * وآثرت ما يبقى برأي مصمّم
وأضررت بالفاني وثمّرت للَّذى * أمامك في يوم من الشّرّ مظلم
سما لك همّ في الفؤاد مؤرّق * بلغت به أعلى المعالي بسلَّم
فما بين شرق الأرض والغرب كلَّها * مناد ينادى من فصيح وأعجم
يقول : أمير المؤمنين ظلمتنى * بأخذ لدينار ولا أخذ درهم
ولا بسط كفّ لامرئ غير مجرم * ولا السّفك منه ظالما ملء محجم
ولو يستطيع المسلمون تقسّموا * لك الشّطر من أعمارهم غير ندّم
فأربح بها من صفقة لمبايع * وأعظم بها أعظم بها ثمّ أعظم
فأقبل علىّ ثم قال : يا كثيّر ، إنّك تساءل عما قلت .
ثم تقدّم الأحوص فاستأذنه في الإنشاد ، فقال : قل ولا تقل إلا حقّا ، فأنشده :
وما الشّعر إلا خطبة من مؤلَّف * لمنطق حقّ أو لمنطق باطل
فلا تقبلن إلَّا الذي وافق الرّضا * ولا ترجعنّا كالنّساء الأرامل
هامش
( 1 ) الهلوك من النساء : الفاجرة الشبقة المتساقطة على الرجال .
( 2 ) المدوف : المخلوط في الماء ، يقال « داف الطيب أو الدواء » أي بله بماء أو بغيره وخلطه به . السمام ، بكسر السين : جمع سم .
( 3 ) الأجبال ، الجبال ، كلاهما جمع جبل .