تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشفاء - الإلهيات — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
توهم أن القوة على الإطلاق قبل الفعل ومتقدمة عليه لا في الزمان وحده وهذا شيء قد مال إليه عامة من القدماء فبعضهم جعل للهيولي وجودا قبل الصورة وأن الفاعل ألبسها الصورة بعد ذلك إما ابتداء من نفسه وإما لداع دعاه إليه كما ظنه بعض الشارعين فيما لا يعنيه ولا له درجة الخوض في مثله . فقال : إن شيئا كالنفس وقع له فلتة أن اشتغل بتدبير الهيولى وتصويرها فلم يحسن التدبير ولا كمل لحسن التصوير فتداركها الباري تعالى وأحسن تقويمها . ومنهم من قال : إن هذه الأشياء كانت في الأزل تتحرك بطباعها حركات غير منتظمة فأعان الباري تعالى طبيعتها ونظمها . ومنهم من قال : إن القديم هو الظلمة أو الهاوية أو شيء لا يتناهى لم يزل ساكنا ثم حرك أو الخليط الذي يقول به أنكساغورس . وذلك لأنهم قالوا : إن القوة تكون قبل الفعل كما في البذور والمني وفي جميع ما يصنع فبالحري أن نتأمل هذا ونتكلم فيه . فنقول : أما الأمر في الأشياء الجزئية الكائنة الفاسدة فهو على ما قالوا فإن القوة فيها قبل الفعل قبلية في الزمان وأما الأمور الكلية أو المؤبدة التي لا تفسد وإن كانت جزئية فإنها لا تتقدمها التي بالقوة البتة . ثم القوة متأخرة بعد هذه الشرائط من كل وجه وذلك لأن القوة إذ ليست تقوم بذاتها فلا بد لها من أن تقوم بجوهر يحتاج أن يكون بالفعل فإنه إن لم يكن صار بالفعل فلا يكون مستعدا لقبول شيء فإن ما هو ليس مطلقا فليس ممكنا أن يقبل شيئا .