الثانية : أنّه شبّه بداعي مسدّده إلى النضال ، ووجه التشبيه هنا أيضا حمل الخبر إلى من هو أولى به منه كما يدعو الإنسان مسدّده وأستاده في الرمي إلى المراماة ، ومسدّده أولى بأن يدعوه إلى ذلك .
الثانية : أنّ معاوية لمّا اقتصّ حال أصحابه وذكر الأفضل فالأفضل منهم
معرّضا بأفضليّتهم عليه مع عدم مشاركتهم له في الفضل أجابه بأنّ ذلك التفضيل والترتيب إمّا أن يتمّ أولا . فإن تمّ فهو بمعزل عنك . إذ ليس لك نصيب ولا شرك في درجاتهم ومراتبهم وسابقتهم في الإسلام فيكون إذن خوضك فيه خوضا فيما لا يعنيك ، وإن نقص فليس عليك من نقصانه عار ولا يلحقك منه وهن . فخوضك فيه أيضا فضول .
وقوله : وما أنت . إلى وما للطلقاء .
استفهام على سبيل الاستحقار والإنكار عليه أن يخوض على صغر شأنه وحقارته في هذه الأمور الكبار . والمنقول أنّ أبا سفيان كان من الطلقاء فكذلك معاوية فهو طليق وابن طليق .
وقوله : هيهات .
استبعاد لأهليّته لمثل هذا الحكم وترتيب طبقات المهاجرين في الفضل . ثمّ ضرب له في حكميه ذلك مثلين آخرين :
أحدهما : قوله : لقد حنّ قدح ليس منها ، وأصله أنّ أحد قداح الميسر .
- إذ كان ليس من جوهر باقي القداح ثمّ أجاله المفيض - خرج له صوت تخالف أصواتها فيعرف به أنّه ليس من جملتها فضرب مثلا لمن يمدح قوما ويطريهم ويفتخر بهم مع أنّه ليس منهم ، وتمثّل به عمر حين قال الوليد بن عقبة بن أبي معيط : أقبل من دون قريش . فقال عمر : حنّ قدح ليس منها .
الثاني : قوله : وطفق يحكم فيها من عليه الحكم لها . يضرب لمن يحكم على قوم وفيهم وهو من أراذلهم ، وليس للحكم بأهل بل هم أولى منه . إذ شأن الأشراف أن يكونوا حكَّاما . ومراده أنّ معاوية ليس من القوم الَّذين حكم بتفضيل بعضهم
شرح نهج البلاغة — صفحة 437
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٤٣٧