إلى فقرهم وضيق معاشهم لأنّ دبر الجمال واستعمال الوبر وأكله بالدم من لوازم الفقر وضيق الحال ، وعلى الرواية الأخرى فالدبر كناية عن الفقر أيضا ، وظاهر أنّهم أذلّ الأمم دارا لأنّ أهل البادية ليسوا أصحاب حصون وقلاع يعتصم بها وإن كان لبعضهم حصون فعساه يحميهم عن أمثالهم فيما يجرى بينهم من الغارات ، وليس ذلك ممّا يدفع عدوّا ذا قوّة أو يحتمل حصارا .
وقوله : وأجد بهم قرارا .
أي مستقرّا . إذ كانت البادية لا تقاس إلى المدن في الخصب ، واستعار لفظ الجناح لما ينهض به دعوتهم ويقوى إذا دعوا ، وكنّى بذلك عن كونهم لا يأوون إلى من يجيب دعوتهم فيعتصمون به ، وكذلك استعار لفظ الظلّ لما يستلزمه الألفة من التعاون والتعاضد والتناصر ، ووجه المشابهة هو ما يستلزمه هذه الأمور من الراحة والسلامة من حرارة نار العدوّ والحرب كما يستلزمه الظلّ من الراحة من حرّ الشمس .
وقوله : فالأحوال مضطربة .
شرح لحالهم يومئذ وكونهم على غير نظام ، وكنّى باختلاف أيديهم عن عدم اتّفاقهم على التناصر وبتفرّق كلمتهم عن عدم ألفتهم واجتماعهم على مصالحهم .
وإضافة بلاء إلى الأزل بمعنى من . وكذلك إضافة أطباق ، وقد علمت أنّ للجهل صفات ودركات متراكم بعضها فوق بعض أولاها عدم العلم بالحقّ ، وفوقها الاعتقاد بغير الحقّ ، وفوقها اعتقاد شبهة يقوى ذلك ويعضده مع تجويز نقيضه ، وفوقها اعتقاد تلك الشبهة جزما . وفي نسخه الرضى - رحمه اللَّه - وإطباق بكسر الهمزة على أنّه مصدر والمعنى وجهل مطبق عليهم .
وقوله : من بنات .
تفصيل للوازم ذلك الجهل ، وذكر منها أربعة أنواع : أحدها : وءد البنات ، وأشار إليه القرآن الكريم « وإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ
شرح نهج البلاغة — صفحة 299
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٢٩٩