إلى الطريق الأرشد كما يهتدى السالكون في الظلمة بالسراج . وهذا التمثيل يستلزم تشبيه أحوالهم بالظلمة ونسبتهم بالمغمورين فيها لولا وجوده عليه السّلام فيهم .
وقد علمت في المقدّمات حقيقة التمثيل . ثمّ لمّا قدّم فضيلته في التمثيل المذكور أردفه بأمرهم بسماع قوله ، وأن يحضروا قلوبهم لفهم ما بلغت إليهم من الحكمة والموعظة الحسنة كما هو المعلوم من حال الخطيب . واستعار لفظ الآذان هنا للقلوب .
ووجه الاستعارة أنّ الأُذن لمّا كانت مدركا للأقوال أشبهتها أفهام القلوب المدركة لأقواله ، وطلب إحضارها إذ كان هو المنتفع به دون إحضار الآذان المحسوسة .
وظاهر أنّ إحضار العقول وتوجّهها إلى الفكر في المسموع مستلزم لحصول الفهم .
وباللَّه التوفيق .
230 - ومن خطبة له عليه السّلام
أُوصِيكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ بِتَقْوَى اللَّهِ - وكَثْرَةِ حَمْدِهِ عَلَى آلَائِهِ إِلَيْكُمْ - ونَعْمَائِهِ عَلَيْكُمْ وبَلَائِهِ لَدَيْكُمْ - فَكَمْ خَصَّكُمْ بِنِعْمَةٍ وتَدَارَكَكُمْ بِرَحْمَةٍ - أَعْوَرْتُمْ لَهُ فَسَتَرَكُمْ وتَعَرَّضْتُمْ لأَخْذِهِ فَأَمْهَلَكُمْ - وأُوصِيكُمْ بِذِكْرِ الْمَوْتِ وإِقْلَالِ الْغَفْلَةِ عَنْهُ - وكَيْفَ غَفْلَتُكُمْ عَمَّا لَيْسَ يُغْفِلُكُمْ - وطَمَعُكُمْ فِيمَنْ لَيْسَ يُمْهِلُكُمْ - فَكَفَى وَاعِظاً بِمَوْتَى عَايَنْتُمُوهُمْ - حُمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ غَيْرَ رَاكِبينَ - وأُنْزِلُوا فِيهَا غَيْرَ نَازِلِينَ - فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا لِلدُّنْيَا عُمَّاراً - وكَأَنَّ الآخِرَةَ لَمْ تَزَلْ لَهُمْ دَاراً - أَوْحَشُوا مَا كَانُوا يُوطِنُونَ - وأَوْطَنُوا مَا كَانُوا يُوحِشُونَ - واشْتَغَلُوا بِمَا فَارَقُوا - وأَضَاعُوا مَا إِلَيْهِ انْتَقَلُوا - لَا عَنْ قَبِيحٍ يَسْتَطِيعُونَ انْتِقَالًا - ولَا فِي حَسَنٍ يَسْتَطِيعُونَ ازْدِيَاداً - أَنِسُوا بِالدُّنْيَا فَغَرَّتْهُمْ -
شرح نهج البلاغة — صفحة 188
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص١٨٨