لا يصدّق وأنّه لا يطمع في نصرهم وأنّه لا يوعد بهم عدوّهم إذ كان وعيده بهم مع طول تخلَّفهم وشعور العدوّ بذلك ممّا يوجب جرأته وتسلَّطه وأمانه من المقاومة . ثمّ أردفه بالاستفهام على سبيل الاستنكار والتقريع عن حالهم الَّتي توجب لهم التخاذل والتصامم عن ندائه وهو قوله : ما بالكم . ثمّ عن دوائهم الصالح للمرض الَّذي هم فيه . ثمّ عن كيفيّة علاجهم منه بقوله : ما دوائكم ما طبّكم . وقيل أراد بقوله ما طبّكم أي ما عادتكم والأوّل أظهر وأليق . ثمّ نبّههم على ما عساهم يتوهّمونه من قوّة خصومهم وبأسهم بأنّهم رجال أمثالكم في الرجوليّة الَّتي هي مظنّة الشجاعة والبأس فلا مزيّة لهم عليكم فلا معنى للخوف منهم . ثمّ عاد إلى سؤالهم على جهة التقريع ونبّههم به على أمور لا ينبغي ، منفور عنها ، مستقبحة في الشريعة والعادة . فأوّلا : عن قولهم ما لا يفعلون وهو إشارة إلى ما يعدون به من النهوض إلى الحرب ثمّ لا يفعلون وذلك بقوله : أقولا بغير عمل تذكيرا لهم بما يستلزم ذلك من المقت عند اللَّه كما أشير إليه في القرآن الكريم « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ الله أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ » ( 1 ) وعلى الرواية الثانية وهي أقولا بغير علم أي أتقولون بألسنتكم ما ليس في قلوبكم ولا تعتقدونه وتجزمون به من أنّا سنفعل كذا . ويحتمل أن يكون معناه أتقولون إنّا مخلصون للَّه وإنّا مسلمون ولا تعلمون شرائط الإسلام والايمان . وثانيا : عن غفلتهم الَّتي ليست عن ورع وهي عدم تعقّلهم للمصالح الَّتي ينبغي أن يكونوا عليها وهي طرف التفريط من فضيلة الفطانة . وهذه بخلاف الغفلة مع الورع . فإنّ تلك نافعة في المعاد إن كان الورع عبارة عن لزوم الأعمال الجميلة المستعدّة في الآخرة فالغفلة معه عن الأمور الدنيويّة والمصالح المتعلَّقة بجزئيّاتها ليست بضارّة ، بل ربما كانت سببا للخلاص من عذاب ما في الآخرة . وثالثا : عن طمعهم في غير حقّ أي في أن يمنحهم ما لا يستحقّونه لينهضوا معه ويجيبوا دعوته ، وكأنّه عليه السّلام عقل من بعضهم أنّ أحد أسباب تخلَّفهم من ندائه
شرح نهج البلاغة — صفحة 53
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٥٣
هامش
( 1 ) 61 - 3