وأشاره إلى جهة وجوب اتّباعهم بكونهم يسلكون بهم سبيل الهدى لا يخرجون عنه ولا يردونهم إلى ردى الجاهليّة والضلال القديم ، وفيه ايماء إلى أنّ اتّباع غيرهم يرد إلى ذلك وقوله : فإن لبدوا : أي إن سكنوا وأحبّوا لزوم البيوت على طلب أمر الخلافة والقيام فيه فتابعوهم في ذلك فإنّ سكونهم قد يكون لمصلحة يغيب علمها عن غيرهم وإن نهضوا في ذلك فانهضوا معهم ، ثمّ نهاهم عن أن يسبقوا فيضلَّوا : أي إلى أمر لم يتقدّموكم فيه فإنّ متقدّم الدليل شأنه الضلال عن القصد وأن لا يتأخّروا عنهم فيهلكوا : أي لا يتأخّروا عن متابعتهم في أوامرهم وأفعالهم بالمخالفة لهم فيكونوا من الهالكين في تيه الجهل وعذاب الآخرة . والإماميّة تخصّ ذلك بالاثني عشر من أهل البيت عليهم السّلام . وقوله : ولقد رأيت أصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم . إلى آخره .
مدح لخواصّ الصحابة وذكر مكانهم من خشية اللَّه ودينه ترغيبا في مثل تلك الفضايل ، وحرّك بقوله : فما أرى أحدا يشبههم . ما عساه يدرك السامعين من الغيرة على تلك الفضايل أن يختصّوا بها دونهم وذكر من ممادحهم أوصافا : أحدها : الشعت والاغبرار وهو إشارة إلى قشفهم وتركهم زينة الدنيا ولذّاتها .
الثاني : بياتهم سجّدا وقياما ، وأشار به إلى إحيائهم الليل بالصلاة وهو كقوله تعالى « وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وقِياماً » .
الثالث : مراوحتهم بين جباههم وخدودهم ، وقد كان أحدهم إذا تعبت جبهته من طول السجود راوح بينها وبين خدّيه .
الرابع : وقوفهم على مثل الجمر من ذكر معادهم وأشار به قلقهم ووجدهم من ذكر المعاد وأهوال يوم القيامة كما يقلق الواقف على الجمر ممّا يجده من حرارته .
الخامس : كأنّ بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم ، ووجه المشابهة أنّ محالّ سجودهم من جباههم كانت قد اسودّت وماتت جلودها وقست كما أنّ ركب المعزى كذلك .
السادس : أنّهم كانوا إذا ذكر اللَّه هملت أعينهم حتّى تبلّ جيوبهم ، ومن روى جباههم فذلك في حال سجودهم ممكن . ومادوا كما تميد الشجر بالريح العاصف خوفا
شرح نهج البلاغة — صفحة 408
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٤٠٨