وميلها بالإنسان إلى طرف الإفراط ولذلك كان أكثر المناهي الواردة في الشريعة هي موارد الشهوة لا جرم كان مقتضى المدح أن يبدء بذكر نفى الهوى عن نفسه ، ولأنّ السالك أوّل ما يبدء في تكميل القوّة العلميّة بإصلاح القوّة الشهويّة فيقف عند حدود اللَّه ولا يتجاوزها في مأكول أو منكوح أو كسب ونحوه . ( لز ) كونه يصف الحقّ ويعمل به أي يتبع قول الحقّ بعمله فإنّ الخلف في القول عند الخلق قبيح ومع اللَّه أقبح ولذلك عاتب اللَّه المؤمنين « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ الله أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ » ( 1 ) وكانوا قالوا : لنفعلنّ في سبيل اللَّه ما فيه رضاه . فلمّا كان يوم أحد لم يثبتوا . وأكَّد عتابه بشدّة مقته لخلفهم وعدم مطابقة أقوالهم لأفعالهم . ( لح ) كونه لا يدع للخير غاية إلَّا أمّها لمّا فرغ من جزئيّات أوصاف العارف شرع فيها إجمالا فذكر أنّه طالب لكلّ غاية خيريّة : أي لا يقنع ببعض الحقّ ويقف عنده بل يتناهى فيه ويستقصي غاياته . ( لط ) وكذلك هو قاصد لكلّ مظنّة له ومظنّته كلّ محلّ أمكنه أن ينتزعه منه ويستفيده كالأولياء ومجالس الذكر وغيرها . ( م ) كونه قد أمكن الكتاب من زمامه فهو قائده . إلى آخره فتمكينه الكتاب كناية عن انقياده لما اشتمل عليه من الأوامر والنواهي ، واستعار لفظ الزمام لعقله ووجه المشابهة ما يشتركان فيه كون كلّ منهما آلة للانقياد ، وهى استعارة لفظ المحسوس للمعقول ، وكذلك استعار لفظ القائد للكتاب لكونه جاذبا بزمام عقله إلى جهة واحدة مانعا عن الانحراف عنها وكذلك لفظ الإمام لكونه مقتديا به ، وقوله : يحلّ حيث حلّ ثقله وينزل . استعار وصفى الحلول والنزول الَّذين هما من صفات المسافر ، وكنّى بحلوله حيث حلّ عن لزوم أثره والعمل بمقتضاه ومتابعته له في طريق سفره إلى اللَّه بحيث لا ينفكّ عنه وجودا وعدما ، وباللَّه التوفيق . الفصل الثاني : قوله :
شرح نهج البلاغة — صفحة 296
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٢٩٦
هامش
( 1 ) 61 - 2