تصرفات الرجال قبل أقوالهم وأفعالهم قبل ألفاظهم ويتأثروا بكل مصلح طابق فعله
قوله .
فنعود إلى مجتمع شعيب عندما رفض دعوة نبيه ، واستهزأ بها ظانا أنه حر فيما
يتملك ، ولا يعتبر بأي تشريع كان ، ومن أي جهة صدر ، أما شعيب ظل يدعو إلى
التوازن في التعامل فلا يؤمن بالحرية المطلقة التي لا يحدها شئ بل يؤمن بحرية
تضمن للفرد خصوصياته وللمجتمع قوانينه ، فهو يحاول إصلاح التطرف في الحرية
الفردية على حساب المجتمع وجعلها في إطار التوازن الخاضع للرقابة الذاتية أولا
من خلال إحياء الضمير داخل النفس الإنسانية وثانيا الرقابة الخارجية من
المجتمع ، ليحدد من تصرفات أولئك الذين يعيثون بمقدرات وثروات الشعوب .
الأسلوب الثالث لحل المشكلة الثالثة
القبلية والتعنصر من العادات السائدة في المجتمعات القديمة بحيث يؤطروها بقانون
" أنصر أخاك ظالما أو مظلوما " وهذه من المشاكل الأساسية التي واجهت الرسالات
بشكل عام ، فالمجتمعات تنظر إلى المصلحين وأصحاب الدعوات الطارئة التي
تخرج عن المألوف من خلال أقوامهم وعشائرهم التي ينتمون إليها ، فإذا كانت
كبيرة وقوية تهاب ويهاب المصلح المنتمي لها وإلا فلا ولهذا بدأت دعوة الرسول
( صلى الله عليه وآله ) من عشيرته أولا وسيتبين ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى .
إذا القوة هي السائدة في المجتمعات ، فهؤلاء عندما نظروا إلى شعيب وإلى عشيرته
وجهوا له هذا الكلام :
* ( وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز ) * ( 1 )
فأعطوا لرهطه قيمة اجتماعية معينة وأعلنوا أن ذلك هو الذي يمنعهم من مواجهة
شعيب بالقوة والرجم ، فشعيب أراد أن يصحح هذا المفهوم السائد بينهم .
* ( قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا إن ربي بما
تعملون محيط ) * ( 2 ) .
فهو يوبخهم على الالتزام بما هو الظاهر أمام الأعين أما المخفي المدعم بالأدلة لا
هامش
( 1 ) هود : 91 .
( 2 ) هود : 92 .