الشجاعة في الحروب وعدم الفرار ; إلاّ أنّ المنافقين والذين في قلوبهم مرض إذا ذهب الخوف سلقوا المؤمنين بألسنة حداد ، فالحدة ليست في شجاعتهم وبطولتهم في النزال والشدائد ، بل في لسانهم في وقت السلم يبتذلون الفضاضة والغضاضة حتى مع الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ويتقدمون بما يرتأونه على الله ورسوله : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم * يا أيها الذين أمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون . . . ) ( 1 )
فمن الغريب بعد ذلك أن يرووا في فضائل بعض الصحابة اعتراضه على الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في أربع موارد لفّقوها وأنّ القرآن نزل بخلاف النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ووفاقاً لرأي ذلك البعض وفي بعض الروايات إنّه أمسك بثوب النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وجذبه وكأنّهم لم يقرؤوا سورة الحجرات ولم يقرؤوا قوله تعالى : ( قل ما أسئلكم عليه من أجر وما أنا من المتكلّفين ) ( 2 ) . ولم يقرؤوا قوله تعالى : ( إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجرٌ عظيم * إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون * ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيراً لهم والله غفورٌ رحيم * يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين * واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حببّ إليكم الإيمان وزيّنه في قلوبكم وكرّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون ) ( 3 ) .
فالقرآن يجعل هذه الهالة المقدّسة لشخصية النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ويجعل أحكاماً عديدة لكيفية الارتباط بالرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من التوقير له ، وخفض الصوت ، وعدم التقدّم على أمره وحكمه ، وعدم مخالفته وعصيانه بالتسليم له ، وانّ ذلك هو الإيمان ، وهو امتحان القلب
هامش
1 . الحجرات / 1 - 2 .
2 . سورة ص / 86 .
3 . الحجرات / 3 - 7 .