ولكن علياً « عليه السلام » آثر أن يبطل الشبهة في مضمونها العلمي .
وأن يقتلعها من جذورها ، لكي لا تترك أي أثر سلبي على أهل الإيمان ، بحيث تبقى عالقة في أذهانهم . . وتضعف إيمانهم ، ويقينهم .
ولأجل ذلك ، لم يكتف « عليه السلام » بالبيان الكلامي ، الذي يعتمد على الاستحضار الذهني للصور ، بل بادر إلى إحضار العناصر نفسها لكي يتلمس الحاضر والناظر المعنى فيها بصورة محسوسة ، يستغني بها عن الصور التي يحتاج لبذل جهد إضافي لإستحضارها ، وللإحتفاظ بها ، والمحافظة عليها في مواقعها ، فلا تنفلت منه ، ولا تختلط عليه .
فأحضر « عليه السلام » الزند والحجر ، ولم يكتف ببيان فكرته وتطبيقها عليهما . بالإشارة إليهما . بل قدح منهما النار أيضاً .
ثم لم يكتف بذلك لبيان فكرته ، بل دعا ذلك الرجل للمس الزند والحجر ، ليتحسس وجود الحرارة فيها ، وعدم وجودها .
فإذا لم يجد الحرارة ، في الزند والحجر ، فسيجد جوابه مباشرة ، فإن النار قد خرجت من الزند والحجر بلا ريب . وها هو يلمسهما بيده ، فلا يجد حرارة النار .
إذن فمن الذي قال : إن تلك الجمجمة لا تعذب بنار لا يراها ولا يلمسها ذلك الرجل ، بل هي كامنة فيها كمون النار في الزند والحجر ؟ ! أي أنه « عليه السلام » أفهمه أن الموجود الحسي ليس هو كل شيء ، بل هناك أنحاء وجودات أخرى لا ينالها الحس .
الصحيح من سيرة الإمام علي ( ع ) — صفحة 49
مساهمون: السيد جعفر مرتضى العاملي
ص٤٩