إلا عن قليل من التابعين . وقوله : إذا قلت لصاحبك أنصت فقد لغوت تأكيد في النهي
عن الكلام لأنه إذا عد من اللغو وهو أمر بمعروف فأولى غيره ، فعلى هذا يجب عليه أن
أيأمره بالإشارة إن أمكن ذلك . والمراد بالانصات قيل : من مكالمة الناس فيجوز على هذا
الذكر وقراءة القرآن ، والأظهر أن النهي شامل للجميع ، ومن فرق فعليه الدليل ، فمثل جواب
التحية والصلاة على النبي ( ص ) عند ذكره عند من يقول بوجوبها قد تعارض
فيه عموم النهي هنا وعموم الوجوب فيهما ، وتخصيص أحدهما لعموم الآخر تحكم من دون
مرجح . واختلفوا في معنى قوله لغوت والأقرب ما قاله ابن المنير : أن اللغو ما لا يحصل ، وقيل
بطلت فضيلة جمعتك وصارت ظهرا .
( وعن جابر رضي الله عنه قال : دخل رجل يوم الجمعة والنبي ( ص )
يخطب فقال : صليت ؟ قال : لا ، قال : قم فصل ركعتين متفق عليه ) الرجل
هو سليك الغطفاني سماه في رواية مسلم ، وقيل غيره وحذفت همزة الاستفهام من قوله
صليت وأصله أصليت وفي مسلم قال له : أصليت وقد ثبت في بعض طرق البخاري .
وسليك بضم السين المهملة بعد اللام مثناة تحتية مصغر . الغطفاني بفتح الغين المعجمة فطاء
مهملة بعدها فاء . وقوله : صل ركعتين وعند البخاري وصفهما بخفيفتين ، وعند مسلم
وتجوز فيهما وبوب البخاري لذلك بقوله باب من جاء والامام يخطب يصلي ركعتين
خفيفتين . وفي الحديث دليل أن تحية المسجد تصلى حال الخطبة ، وقد ذهب إلى هذا
طائفة من الآل والفقهاء والمحدثين ، ويخفف ليفرغ لسماع الخطبة . وذهب جماعة من السلف
والخلف إلى عدم شرعيتهما حال الخطبة ، والحديث هذا حجة عليهم ، وقد تأولوه بأحد عشر
تأويلا كلها مردودة سردها المصنف في فتح الباري بردودها ونقل ذلك الشارح رحمه الله
في الشرح ، واستدلوا بقوله تعالى : * ( فاستمعوا له وأنصتوا ) * ولا دليل في ذلك
، لان هذا خاص وذلك عام ، ولان الخطبة ليست قرآنا وبأنه صلى الله عليه وسلم نهى الرجل أن يقول لصاحبه
والخطيب يخطب أنصت وهو أمر بمعروف وجوابه : أن هذا أمر الشارع وهذا أمر الشارع
، فلا تعارض بين أمريه ، بل القاعد ينصت والداخل يركع التحية وباطباق أهل المدينة خلفا عن
سلف ، على منع النافلة حال الخطبة . وهذا الدليل للمالكية وجوابه أنه ليس إجماعهم حجة
ولو أجمعوا كما عرف في الأصول على أنه لا يتم دعوى إجماعهم ، فقد أخرج الترمذي وابن خزيمة
وصححه أن أبا سعيد أتى ومروان يخطب فصلاهما فأراد حرس مروان أن يمنعوه فأبى حتى
صلاهما ثم قال : ما كنت لادعهما بعد أن سمعت رسول الله ( ص ) يأمر بهما .
وأما حديث ابن عمر عند الطبراني في الكبير مرفوعا بلفظ : إذا دخل أحدكم المسجد والامام
يخطب فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ الامام ففيه أيوب بن نهيك متروك وضعفه جماعة
وذكره ابن حبان في الثقات وقال : يخطئ . وقد أخذ من الحديث أنه يجوز للخطيب أن يقطع
الخطبة باليسير من الكلام ، وأجيب عنه بأنه هذا الذي صدر منه ( ص ) من
جملة الأوامر التي شرعت لها الخطبة ، وأمره ( ص ) بها دليل على وجوبها . وإليه ذهب
سبل السلام — صفحة 51
مساهمون: محمد بن إسماعيل الكحلاني الصنعاني ( الأمير )
ص٥١