الامام إذا تكلم بما تكلم به النبي ( ص ) : من الاستفسار ، والسؤال عند الشك ،
وإجابة المأموم ، أن الصلاة لا تفسد . وقد أجيب : بأنه ( ص ) تكلم معتقدا للتمام ،
وتكلم الصحابة معتقدين للنسخ ، وظنوا حينئذ التمام . قلت : ولا يخفى أن الجزم باعتقادهم
التمام محل نظر ، بل فيهم متردد بين القصر والنسيان ، وهو ذو اليدين ، نعم سرعان الناس اعتقدوا
القصر ، ولا يلزم اعتقاد الجميع ، ولا يخفى أنه لا عذر عن العمل بالحديث لمن يتفق له مثل
ذلك ، وما أحسن كلام صاحب المنار ، فإنه ذكر كلام الهدى ودعواه نسخه ، كما ذكرناه ،
ثم رده بما رددناه ، ثم قال : وأنا أقول أرجو الله للعبد إذا لقي الله عاملا لذلك : أن يثبته في الجواب
بقوله : صح لي ذلك عن رسولك ، ولم أجد ما يمنعه ، وأن ينجو بذلك ، ويثاب عن العمل به ، وأخاف
على المتكلفين ، وعلى المجبرين على الخروج من الصلاة للاستئناف ، فإنه ليس بأحوط ، كما ترى ،
لان الخروج بغير دليل ممنوع ، وإبطال للعمل . وفي الحديث دليل ، على أن الأفعال الكثيرة التي
ليست من جنس الصلاة إذا وقعت سهوا ، أو مع ظن التمام لا تفسد بها الصلاة ، فإن في رواية
أنه ( ص ) خرج إلى منزله وفي أخرى : يجر رداءه مغضبا وكذلك خروج
سرعان الناس فإنها أفعال كثيرة قطعا ، وقد ذهب إلى هذا وفيه دليل : على صحة
البناء على الصلاة بعد السلام ، وإن طال زمن الفصل الشافعي بينهما ، وقد روي هذا عن ربيعة ، ونسب
إلى مالك ، وليس بمشهور عنه . ومن العلماء من قال : يختص جواز البناء إذا كان الفصل بزمن
قريب ، وقيل : بمقدار ركعة ، وقيل : بمقدار الصلاة . ويدل أيضا أنه يجبر ذلك سجود السهو وجوبا
لحديث : صلوا كما رأيتموني أصلي ويدل أيضا : على أن سجود السهو لا يتعدد بتعدد أسباب
السهو ، ويدل على أن سجود السهو بعد السلام خلاف الحديث الأول ، ويأتي فيه
الكلام . وأما تعيين الصلاة التي اتفقت فيها القصة فيدل له قوله : ( وفي رواية لمسلم )
أي من حديث أبي هريرة : ( صلاة العصر ) عوضا عن قوله في الرواية الأولى : إحدى صلاتي
العشي ( ولأبي داود ) أي من حديثه أيضا : ( فقال ) أي النبي ( ص ) :
( أصدق ذو اليدين ، فأومئوا ، أي نعم ، وهي في الصحيحين ، لكن بلفظ : فقالوا )
قلت : وهي في رواية لأبي داود بلفظ : فقال الناس : نعم ، وقال أبو داود : إنه لم يذكر :
فأومئوا إلا حماد بن زيد ( وفي رواية له ) أي لأبي داود من حديث أبي هريرة : ( ولم يسجد حتى
يقنه الله ذلك ) ولفظ أبي داود : ولم يسجد سجدتي السهو حتى يقنه الله ذلك أي صير تسليمه
على ثنتين يقينا عنده ، إما بوحي ، أو تذكر حصل له اليقين به . والله أعلم ما مستند أبي هريرة في هذا .
( وعن عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي ( ص ) صلى بهم ،
فسها فسجد سجدتين ، ثم تشهد ، ثم سلم ، رواه أبو داود والترمذي وحسنه ، الحاكم
وصححه ) . في سياق حديث السنن : أن هذا السهو سهوه ( ص ) ، الذي في خبر
ذي اليدين ، فإن فيه : بعد أن ساق حديث أبي هريرة : مثل ما سلف من سياق الصحيحين إلى
قوله : ثم رفع وكبر ما لفظه : فقيل لمحمد : أي ابن سيرين الراوي : سلم في السهو ؟ فقال : لم أحفظه
من أبي هريرة ولكن نبئت أن عمران بن حصين قال : ثم سلم ، وفي السنن أيضا من حديث
سبل السلام — صفحة 204
مساهمون: محمد بن إسماعيل الكحلاني الصنعاني ( الأمير )
ص٢٠٤