ترى ، هل كان بين يديه يومئذ ، الا المهرجانات النشيطة التي دلت قبل كل شئ ، على عظيم اخلاص المجتمع لخليفته الجديد ؟ فما بال الخليفة الجديد لا يرى منهم الا دون ما يرون ؟ .
انها النظرة البعيدة التي كانت من خصائص الحسن في سلمه وفي حربه وفي صلحه وفي سائر خطواته مع أعدائه ومع أصدقائه .
* * *
وعلى أن الموسوعات التاريخية لم تُعنَ بذكر الأمثلة الكثيرة التي يصح اقتباسها كعرض تاريخيّ عن سياسة الحسن ، ولا سيما في الدور الأول من عهده القصير ، وهو الدور الذي سبق اعلانه الجهاد في الكوفة ، فقد كان لنا من النتف الشوارد التي تسقّطناها من سيرته ، ما زادنا وثوقاً ببراعته السياسية التي لا مجال للريب فيها . فقد اقتاد الوضع المترنح الذي صحب عهده من أوله إلى آخره ، قيادته الحكيمة التي لا يمكن أن تفضلها قيادة أخرى لمثل هذا الوضع .
وليكن من أمثلة سياسته في قيادة ظروفه قبل الحرب ما يلي :
1 - أنه وضع لبيعته صيغةً خاصة ، وقبض يده عما أريد معها من قيود ، وأرادها هو على السمع والطاعة والحرب لمن حارب والسلم لمن سالم . فكان عند ظن المعجبين ببلاغته الإدارية ، بما ذكر الحرب ولوح بالسلم فأرضى الفريقين من أحزاب الكوفة - دعاة الحرب ، والمعارضين - . وكان لديه من الوضع العام ( في كوفته ) ما يكفيه نذيراً لاتخاذ مثل هذه الحيطة الحكيمة لوقتٍ ما .
2 - أنه زاد المقاتلة مائةً مائةً ، وكان ذلك أول شئ أحدثه حين الاستخلاف ، فتبعه الخلفاء من بعده عليه ( 1 ) .
هامش
( 1 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ( ج 4 : ص 12 ) .