قال محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه : أرسل الله إليهم ثلاثة عشر نبيا . وزعم
السدى أنه أرسل إليهم اثنى عشر ألف نبي ! فالله أعلم .
والمقصود أنهم عدلوا عن الهدى إلى الضلال وسجدوا للشمس من دون الله وكان
ذلك في زمان بلقيس وقبلها أيضا ، واستمر ذلك فيهم حتى أرسل الله عليهم سيل العرم
كما قال تعالى ( فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي
أكل خمط وأثل وشئ من سدر قليل . ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي
إلا الكفور ) .
ذكر غير واحد من علماء السلف والخلف من المفسرين وغيرهم أن سد مأرب كان صنعته
أن المياه تجرى من بين جبلين ، فعمدوا في قديم الزمان فسدوا ما بينهما ببناء محكم جدا ،
حتى ارتفع الماء فحكم على أعالي الجبلين ، وغرسوا فيهما البساتين والأشجار المثمرة الأنيقة ،
وزرعوا الزروع الكثيرة ، ويقال كان أول من بناه سبأ بن يعرب وسلط إليه سبعين واديا
يفد إليه وجعل له ثلاثين فرضة يخرج منها الماء ، ومات ولم يكمل بناؤه ، فكملته حمير
بعده ، وكان اتساعه فرسخا في فرسخ ، وكانوا في غبطة عظيمة وعيش رغيد وأيام طيبة ،
حتى ذكر قتادة وغيره أن المرأة كانت تمر بالمكتل على رأسها فيمتلئ من الثمار مما يتساقط
فيه من نضجه وكثرته ، وذكروا أنه لم يكن في بلادهم شئ من البراغيث ولا الدواب
المؤذية ، لصحة هوائهم وطيب فنائهم كما قال تعالى ( لقد كان لسبأ في مسكنهم آية
جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم ، واشكروا له بلدة طيبة ورب
غفور ) وكما قال تعالى : ( وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن
كفرتم إن عذابي لشديد ) .
فلما عبدوا غير الله وبطروا نعمته ، وسألوا بعد تقارب ما بين قراهم وطيب ما بينها
من البساتين وأمن الطرقات ، سألوا أن يباعد بين أسفارهم وأن يكون سفرهم في مشاق
السيرة النبوية — صفحة 10
مساهمون: ابن كثير
ص١٠