والزبير بايعاني بالمدينة ، ثم نقضا بيعتهما ، فكان نقضهما كردتهما ، فجاهدتهما بعدما أعذرت
إليهما ، حتى جاء الحق ، وظهر أمر الله وهم كارهون ، فادخل فيما دخل فيه المسلمون ، فإن
أحب أمورك إلى العافية ، فإن تتعرض للبلاء قاتلتك ، واستعنت بالله عليك ، وقد أكثرت
الكلام في قتلة عثمان ، فادخل في الطاعة ، ثم حاكم القوم إلى أحملك وإياهم على كتاب الله ،
فأما تلك التي تريدها فهي خدعة الصبي عن اللبن ، ولعمري لئن نظرت بعقلك دون هواك ،
لتجدني أبرأ الناس من دم عثمان ، واعلم يا معاوية أنك من الطلقاء ، الذين لا تحل لهم الخلافة ،
ولا تعقد معهم الإمامة ، ولا تعرض فيهم الشورى ، وقد بعثت إليك وإلى من قبلك جرير بن
عبد الله ، وهو من أهل الإيمان والهجرة السابقة ، فبايع ، ولا قوة إلا بالله .
قدوم جرير إلى معاوية
قال : وذكروا أن جريرا لما قدم على معاوية بكتاب علي ، قام جرير بالشام خطيبا ،
فقال : أيها الناس ، إن أمر عثمان قد أعيا من شهده ، فما ظنكم بمن غاب عنه ، وإن الناس
بايعوا عليا ، وإن طلحة والزبير كانا ممن بايع ، ثم نقضا بيعته ، ألا وإن هذا الدين لا يحتمل
الفتن ، ألا وإن هذا الدين لا يحتمل السيف . وقد كانت بالبصرة أمس روعة ملمة ، إن يشفع
البلاء بمثلها فلا بقاء للناس ، وقد بايعت العامة عليا ، ولو ملكنا أمرنا لم نختر لها غيره ، فمن
خالف هذا فقد استعتب ( 1 ) فادخل يا معاوية فيما دخل الناس فيه ، فإن قلت : إن عثمان ولاني
ولم يعزلني ، فإن هذا لو كان لم يقم لله دين ، وكان لكل امرئ ما هو فيه .
إشارة الناس على علي بالمقام بالكوفة
قال : وذكروا أن عليا استشار الناس ، فأشاروا عليه بالمقام بالكوفة عامه ذلك ، غير
الأشتر النخعي ، وعدي بن حاتم ، وشريح بن هانئ ، فإنهم قاموا إلى علي ، فتكلموا بلسان
واحد ، فقالوا : إن الذين أشاروا عليك بالمقام ، إنما خوفوك بحرب الشام ، وليس في حربهم
شئ أخوف من الموت ونحن نريده . فقال لهم : إن استعدادي لحرب أهل الشام ، وجرير
عندهم إغلاق للشام ، وصرف لأهله عن خير إن أرادوه ، ولكني قد وقت له وقتا لا يقيم بعده
إلا أن يكون مخدوعا أو عاصيا ، ولا أكره لكم الإعداد ، وأبطأ جرير على علي بالشام حتى
يئس منه ، وإن جريرا لما أبطأ عليه معاوية برأيه ، استحثه بالبيعة ، فقال معاوية لجرير :
هامش
( 1 ) استعتب : استوجب العتاب