جواب مصقلة إلى قومه
قال : وذكروا أن مصقلة كتب إلى قومه : أما بعد ، فقد جاءني كتابكم ، وإني أخبركم أنه من
لم ينفعه القليل لم ينفعه الكثير ، وقد علمتم الأمر الذي قطعني من علي ، وأضافني إلى معاوية ، وقد علمت
أني لو رجعت إلى علي وإليكم لكان ذنبي مغفورا ، ولكني أذنبت إلى علي ، وصحبت معاوية ،
فلو رجعت إلى علي أحدثت عيبا ، وأحييت عارا ، وكنت بين لائمين ، أولهما خيانة ، وآخرهما
غدر ، ولكني أقيم بالشام ، فإن غلب معاوية فداري العراق ، وإن غلب علي فداري أرض
الروم . فأما الهوى فإليكم طائر ، وكانت فرقتي عليا على بعض العذر أحب إلى من فرقتي معاوية
ولا عذر لي . ثم قال للرسول : يا بن أخي ، استعرض الناس عن قولي في علي . فقال : قد سألت ،
فقالوا خيرا . قال : فإني والله عليه حتى أموت . فرجع الرسول بالكتاب ، فأقرأه عليا ،
فقال : كفوا عن صاحبكم ، فليس براجع حتى يموت . فقال حصين : أما والله ما به إلا الحياء .
لحوق عبد الله بن عامر بالشام
قال : وذكروا أن عبد الله بن عامر لحق بالشام ، ولم يأت معاوية ، وخاف يوما كيوم
الجمل ، فبعث إليه معاوية أن يأتيه ، وألح عليه . فكتب ابن عامر : أما بعد ، فإني أخبرك أني
أقحمت طلحة والزبير إلى البصرة ، وأنا أقول إذا رأى الناس أم المؤمنين مالوا إليها ، وإن فر
الناس لم يفر الزبير ، وإن غدر الناس لم يغدر مروان ، فغضبت عائشة ، ورجع الزبير ، وقتل
مروان طلحة ، وذهب مالي بما فيه ، والناس أشباه ، واليوم كأمس ، فإن أتبعتني هواي ،
وإلا أرتحل عنك والسلام . فكتب معاوية إليه : أما بعد ، فإنك قلدت أمر دينك قتلة عثمان ،
وأنفقت مالك لعبد الله بن الزبير ، وآثرت العراق على الشام ، فأخرجك الله من الحرب صفر
اليدين ، ليس لك حظ الحق ، ولا ثأر القتيل . فلما انتهى كتابه إلى ابن عامر أتاه ، فغمس يده
معه ، وبايعه ، فلاطفه معاوية ، وعرف له قرابته من عثمان .
ما أشار به عمار بن ياسر على علي
قال : وذكروا أن عمار بن ياسر قام إلى علي ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إنما بايعناك ولا نرى
أحدا يقاتلك ، فقاتلك من بايعك ، وأعطاك الله فيهم ما وعد في قوله عز وجل : " ثم بغى
عليه لينصرنه الله " ، وقوله : " يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم " ، وقوله : " فمن نكث
فإنما ينكث على نفسه " ، وقد كانت الكوفة لنا ، والبصرة علينا ، فأصبحنا على ما تحب ، بين
ماض مأجور ، وراجع معذور ، وإن بالشام الداء العضال : رجلا لا يسلمها أبدا إلا مقتولا
أو مغلوبا ، فعاجله قبل أن يعاجلك ، وانبذ إليه قبل الحرب .